مواقف مضيئة في حياة السيد

شجاعة نادرة:

ايراهيم الجبهان اسم لناصبي بغيض، قلبه مليء ببغض أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. كان الجبهان كويتي الجنسية ويسكن الكويت، ولكنه يكتب مقالاته في مجلة "راية الإسلام" أو بالأحرى "راية النفاق" السعودية التي تصدر من الرياض، والقائمون عليها من الوهابيين الذين يعادون الشيعة وأئمتهم وبالتالي لا يمتنعون عن نشر أي مقال يسيء الى الأئمة ومن يواليهم. وقد نشر الجبهان هذا خطابا موجها الى فضيلة شيخ الجامع الأزهر المرحوم الشيخ محمود شلتوت في العدد الخامس من المجلة المذكورة سنة 1380 هجرية يرد عليه دعوته الى الوحدة بين طوائف المسلمين وجواز التعبد بالمذهب الجعفري، ولم يكتف باتهام الموالين وشيعة أمير المؤمنين بالتهم الزائفة الباطلة من قبيل عبادتهم عليا أو تحريفهم للقرآن – كما نسمعها في كل أوان – بل وتجاسر على رمز المذهب الجعفري وانتهك حرمة مولانا وإمامنا الصادق جعفر بن محمد عليه وعلى آبائه وأبنائه الصلاة والسلام وتكلم بكلمات نابية أعجز عن تكرارها.

وما أن قرأ سيدي الوالد رضوان الله عليه هذا المقال حتى استشاط غضبا وثارت ثورة البطل الفذ الشهم في مقابل الأعداء اللئام للأئمة الكرام، وبناء على الحكم الشرعي في قتل كل من تسول له نفسه أن يشتم الأئمة المعصومين او أي واحد منهم، نوى السيد عباس القضاء على هذا الكاتب الناصبي ليكون درسا وعبرة لمن خلفه حتى لا يتجرأ أحد على شتم الأئمة الهداة المهديين المفترضة طاعتهم على المسلمين.

وبعد يومين تقريبا طلب عقد اجتماع مغلق مع علماء الشيعة في منزل أحدهم، ووضّح لهم هناك الفكرة وطلب منهم العون، ولكنهم أبوا ذلك وقالوا له: نخاف من اشتعال الفتنة، والأفضل عدم التعرض للكاتب جسديا بل الاكتفاء بالجواب التحريري. ولكن السيد لم يرتو من مجرد بحث يكتب دون أن يمسح بالناصبي الأرض.

وبناء عليه أحضر أحد أنصاره وكان رجلا شجاعا اسمه عباس (رحمة الله عليه)، وطلب منه أن يتابع تحركات الرجل وجيئته وذهابه. فأطاع عباس دون خوف ووجل من عاقبة الأمر، وتكفل السيد كل مصاريف العملية وكذلك الإنفاق على عائلة عباس اذا ما حصل له أي مكروه.

الا أن الأمر خرج من دائرة الخفاء ووصل الخبر الى الحكومة. وفي أحد الأيام (ربما أقل من أسبوع بعد الإجتماع بالعلماء) طرق باب الديوانية في الصباح الباكر. فذهبت لأرى من الطارق. قال لي: أنا درويش العرادي وأريد مقابلة السيد لأمر مهم جدا. طلبت منه الإنتظار في الديوانية ودخلت البيت وأخبرت الوالد، فتغيرت ملامحه وظهرت عليه آثار الغضب وتمتم قائلا: لقد فشلت الخطة مع الأسف، ولم أدر ساعته ما هو قصده.

وبعد أن ذهب الرجل، سألته بما حدث.. فقال: انه مدير مكتب الأمير (الشيخ عبد الله السالم الصباح) وقال لي: الشيخ يسلم عليك كثيرا ويقول: لا تهتم، فقد أزلنا الفتنة وأرحناك منها. قلت له: وكيف ذاك؟ فقال: امر الشيخ عبدالله بسحب الجنسية الكويتية من الجبهان، وتم تسفيره في سيارة مع أهله البارحة بعد منتصف الليل وأبعدته الحكومة - ذليلا مهانا - الى السعودية دون رجعة. فقال له الوالد: ولكني أردت القضاء عليه نهائيا حتى يكون عبرة لغيره، وعلى كل حال فلعل الخير كان في ما وقع، وأبلغ سمو الأمير سلامي وشكري له لإبعاده رأس الفتنة من البلاد.

وبعد فترة وجيزة من إبعاد الجبهان عن الكويت ألف سماحة السيد كتابا للرد عليه أسماه "شعاع من التاريخ" يقول في مقدمته:

لقد تعرض رجل يسمونه (إبراهيم الجبهان) في خطاب موجه لفضلية شيخ الجامع الأزهر: (الشيخ محمود شلتوت) في ص (12) من العدد الخامس من مجلة (راية الإسلام) الصادرة في الرياض (عاصمة المملكة السعودية) وأن الحق الذي يرض فاه ويقطع لسانه هو شيخ الأزهر بنفسه، فهو الذي يكذبه ويعلن أنه جاهل. ويبطل عمله المشكور في التقريب بين المسلمين، ونحن لا نتعرض إلى الجواب على سائر ترهاته وأباطيله فإنه لا تحده حدود .. إلا إلى شفا جرف هار ينهار به في قاع جهنم ..

نعم .. نتعرض لبعض ما نسبه كذبا إلى الشيعة: القول بتحريف القرآن وأنهم على خلاف السنة، وأن منهم "القرامطة" وصاحب الزنج وأبا مسلم الخراساني, وبابك الخرمي، ومزدك، والإسماعيلية والصباح وغيرهم، وغير ذلك من أكاذيبه مما تضحك الثكلى. ونشير إلى تجاسره بالنسبة إلى أئمة الدين، وتكذيبه أخيار الشيعة، وادعائه أنهم يعبدون علياً وذريته، وأنهم يتصرفون في الأرزاق والآجال وغيرها مما طعن عليهم، وسيظهر لك فساده وفسقه وضلاله، تنبيهاً للغافلين، وتنبيهاً للعالمين، وإشفاقاً على جماعة من السذج والبسطاء من وقوعهم في دائرة الحيرة أو الضلال، متقربا في ذلك إلى الله تعالى ورسوله صاحب الشريعة، وإلى أئمة الحق علي أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين سلام الله عليهم أجمعين. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

 

صلابة الموقف:

أقام أحد أقاربنا مجلس عزاء للزهراء سلام الله عليها، وكان المجلس غاصا بالحضور. وبينما نحن جالسون اذ أقبل أحد رجال الدين ممن كنا نعدّه شخصية جديرة بالإحترام. وبالفعل قام كل من في المجلس احتراما له ولكن السيد رحمه الله لم يقم من مقامه وبدا الغضب واضحا في محياه. فاستغربنا لهذا الموقف مع أننا نعلم عنه شدة تواضعه امام الآخرين حتى أنه كان يقوم من مقامه اذا دخل شاب صغير لمجرد انتسابه الى رسول الله صلى الله عليه و آله، فما باله لا يقوم احتراما لشخصية كبيرة ومن سلالة الرسول ايضا.

بعد أن انفضّ الجمع، قال لصاحب المجلس: لو كنت أعلم أنك قد دعوت هذا الرجل لمجلسك، لما كنت أحضر بالرغم من أني أعتبرك مثل ابني!

قلنا له: ولماذا؟ أليس الرجل جديرا بالاحترام، وهو شخصية علمية مرموقة؟

قال: لا أنكر فضله ولكنه يعادي الإمام الخميني ولا يكتفي بإضمار العداء بل إنه يتكلم بوقاحة ضد الإمام ويتجرأ عليه دون تحفظ! فمثل هذا الشخص لا يستحق اي إحترام.

 

اللقاء مع الإمام الصدر:

كثيرا ما كنت أسمع منه حبه واحترامه للإمام السيد موسى الصدر. وفي إحدى زيارات الصدر للكويت وبعد مضيّ أكثر من ثلاثة أيام على قدومه للكويت، ما رأيت والدي يزوره كبقية علماء البلد ووجهائه، فاستغربت من موقفه وقلت له: أما تحب السيد موسى الصدر؟ قال: بالعكس، أحبه وأجلله وأحترمه أكثر احترام.

قلت: فلماذا لم تزره وهو الآن ضيف على بلدنا؟

قال: لقد جاء بناء على دعوة فلان وحل ضيفا عنده وهذا الرجل من كبار الأثرياء في البلد. ولقد أبلغت السيد الصدر أنني أود زيارته كثيرا ولكني لم أزره مادام في بيت هذا الرجل! فأرسل لي جوابا بأنه سوف يزورنا في منزلنا بعد ثلاثة ايام من قدومه، وأظنه يزورنا غدا، وهكذا كان. ففي اليوم التالي جاء بنفسه الى منزلنا وزار والدي في البيت فقال له الوالد ممازحا: هذه الزيارة بالنيابة عنا والواجب عليك أن تردّ الزيارة مرة أخرى! ورأيتهما يتعانقان ويتصافحان بحرارة وأبلغه والدي عن مدى حبه له وتأييده لمواقفه المشرفة في لبنان وغيره.

 

محاربة البهائيين:

ينقل لنا أحد المقربين اليه (الحاج عباس) بأن السيد كتب ذات يوم رسالة للمرحوم الحاج مراد البهبهاني وأعطاني الكتاب وقال: اذهب الآن الى مكتب الحاج مراد وأعطه الرسالة وقل له: السيد يريد جوابا فوريا.

يقول الحاج عباس: أخذت الرسالة وذهبت الى مكتب الحاج مراد. قيل لي: هل لك موعد مسبق فالحاج مراد مشغول جدا اليوم. قلت: لا، ليس لي موعد من قبل ولكني احمل رسالة خطية هامة من السيد عباس المهري وأريد ايصالها اليه الآن. فأبلغوه بالأمر فأذن لي بلقائه فورا وبدون تأخير.

أعطيته الرسالة، ففضها وقرأها بتمعن ثم سألني: هل تعلم محتوى الكتاب؟ فأجبت بالنفي، فقال: إن السيد قد أمرني في رسالته بأن أطرد من كراج السيارات لدي كل البهائيين من موظفين وميكانيكيين، وفي أسرع وقت وإلا فسوف يعلن للمؤمنين حرمة التعامل معي.

ثم قال لي الحاج مراد: ابلغ السيد سلامي وقل له: على أمرك، ولكن أمهلني شهرا واحدا وسوف أسرّح كل البهائيين الموجودين عندي في الكراج، اما بالنسبة لمدير الكراج - وكان بهائيا ايضا - فأحتاج الى بضعة أشهر حتى أعين أحدا مكانه. ونفذ الحاج مراد أمر السيد خلال مدة قصيرة.

 

شدة اهتمامه في ما يُذكر عن المعصومين:

في إحدى المناسبات الدينية ، ارتقى أحد الخطباء المنبر في مسجد شعبان، وكان السيد جالسا في المجلس، وفي أثناء حديثه عن احد الأئمة المعصومين عليهم السلام تطرق الى قصة تاريخية، وقبل أن يكمل قصته انبرى له السيد غاضبا ونهره بشدة فقال: هذه القصة من مختلقات الأمويين، ولا ينبغي لك أن تذكرها! فاستسلم الخطيب وغير مجرى الحديث. وبعد انتهاء المجلس اعتذر من الوالد فما كان منه إلا أن يقبل اعتذاره وبكل محبة ثم نصحه بأن يحتاط كثيرا في إختيار أحاديثه ولا ينقل الا ما صدر من منبع روائي موثق.

وقد تكرر منه مثل هذا الموقف كثيرا وذلك لاهتمامه البالغ في ما يذكره المحدثون والخطباء عن المعصومين سلام الله عليهم، فيصحح أخطاءهم وإن كان التصحيح في أغلب الأوقات يتم بعد الإنتهاء من المجلس، إلا إذا كان الأمر لا يحتمل الصبر فحينئذ لا يسكت عن التصريح بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم.

 

الغيرة على الدين:

عندما كنت مع بعض أصدقائي ندرس في كلية الآداب في لبنان، وفي أول سنة من وجودنا هناك، جاءنا السيد قادما من الكويت وتشرفنا بلقائه المبارك في قرية القماطية بلبنان. كان سبب سفر السيد الى لبنان أنه يريد أن يحصل على معلمات من الموالين للتدريس في المدرسة الاسلامية الجعفرية للبنات في الكويت، وفي اليوم الأول من تواجده هناك لاحظ  أن النساء والبنات في القماطية لا يلبسن الحجاب مع أنهن من الموالين، فتأثر كثيرا وقال لصاحب البيت الذي كنا فيه: أريد اجتماعا عاجلا مع نساء وبنات البلدة، استغرب صاحبنا وبعد استفساره عن سبب الإجتماع، وضّح له الوالد أنه يريد أن ينصحهن. فما كان من صاحبنا إلا ونشر في البلدة أن السيد المهري يريد أن يخطب في النساء دون الرجال، فاجتمعن في يوم الجمعة في الجنينة (مزارع الفواكه في القرية) ووضعن كرسيا للسيد وتأهبن لإستماع حديثه.

بدأ السيد خطبته بالآيات والأحاديث الدالة على وجوب الحجاب على المرأة المسلمة وخصهنّ بالأمر لأنهن يتبعن الأئمة المعصومين عليهم السلام، فكان حديثه جذابا ومؤثرا لدرجة أننا رأينا النساء كبارا وصغارا بدأن بالبكاء لا اراديا. تاثر الجمع بهذا الحديث القيّم وقالت إحداهنّ: ليتك يا سيدنا تزورنا كل شهر أو شهرين لنستفيد من وجودك، فعالمنا وإمام مسجدنا لم يقل لنا ما قلته اليوم طوال مدة وجوده بيننا!

أجل: إنهم غالبا يأتون بآيات المغفرة وروايات الشفاعة حتى لا يشمئز الناس وينسون أن الإنذار أهم من التبشير، وأنه لا بد من ذكر الخوف قبل الرجاء حتى لا يتجرأ المرء على عصيان الجبار المنتقم.

 

مع الشيخ محمود أبو رية:

الشيخ محمود أبو رية، العلامة المصري المحقق، معروف لدى الجميع فقد كتب كتابين خالدين على مر الزمان، بيّن فيهما كثيرا من الأمور المطروحة على الساحة وأبدع فيهما إبداعا قل له نظير وهما: "أضواء على السنة المحمدية" و"شيخ المضيرة أبوهريرة"، وبدون شك فإن رجلا منصفا مثل أبو رية لا يكتب الا بالدليل القاطع والبرهان الساطع عما آلت اليه السنة المحمدية بعد استيلاء الأمويين والعباسيين على الحكم وجلوس من لا يستحق على مسند الخلافة، ولكن لم يُعجب موقفه الكثيرين من أتباع يزيد ومعاوية، فقد كان مصير الشيخ الجليل أن يُطرد من جامع الأزهر ويوقف راتبه ويُضرب بواسطة وعاظ السلاطين لا بارك الله فيهم. وما أن سمع سيدنا المهري بهذا الخبر، أرسل ابنه أحمد الى مصر ليستطلع الأمر ويحقق في القضية وبعد أن قابل أحمد الشيخ أبو رية وعرف منه ما عرف، رجع الى الكويت وأبلغ الوالد بالأمر، فما كان من السيد إلا أن كتب اليه رسالة يشكره فيها لمواقفه الجليلة تجاه الإسلام والسنة المحمدية الصحيحة وأغدق عليه من المال بصورة مستمرة حتى لا يحتاج في أموره الدنيوية الى لئام الخلق.

 

مع الشيخ محمد جواد مغنية:

الشيخ محمد جواد مغنية أشهر من أن يوصف، فإنه كالنار على المنار في تأليفاته وكتبه التي دافع فيها عن الحق وعن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وكان الوالد رحمه الله يحترمه لذلك. وفي سفرة له الى بيروت وكنت انا ايضا معه، زاره كثير من العلماء اللبنانيين ومنهم الشيخ مغنية، وفي زيارته تلك قدم الشيخ المحقق إعتذارا شديدا للوالد، ووعده بتصحيح ما بدر منه في الطبعة الجديدة من كتابه! ولم نكن نعرف ما الأمر إلى أن قام الشيخ وودعنا وانصرف. فسألت الوالد مسرعا: ماذا كان يقصد شيخنا، ولم الإعتذار منكم؟ فقال: قبل مدة كتب الشيخ كتابا عن السيدة زينب سلام الله عليها وفي الكتاب (الذي نسيت اسمه) تعرض لمن بقي من أهل البيت بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وذكر فيه أن السيدة سكينة بنت الإمام الحسين سلام الله عليهما لم تتزوج بعد هذه الحادثة وكان لها مجلسا أدبيا عامرا يحضره الشعراء والأدباء، وربما كان السبب في إقامة هذا الديوان أن يكون عاملا لنسيانها ما حدث لأبيها وأهلها في حادثة الطف الأليمة! وما أن قرأت هذا الموضوع العاري عن الصحة تماما (والكلام للوالد) غضبت واستغربت من تأثر الشيخ المحقق مغنية بما ألفه الأموي الحاقد أبو الفرج الإصبهاني في أغانيه عن هذه السيدة الجليلة من أهل البيت الكرام سلام الله عليهم ولم يذكر ذلك أحد قبله. فكتبت على الفور رسالة الى الشيخ محمد جواد مغنية وعتبت عليه شديدا كيف انطلى عليه ما كتبه ذلك الأموي وكيف يقبل هذه القصة الموضوعة بهدف النيل من مقام ابنة سيد الشهداء عليهما السلام والتي ابتعدت عن الزواج لزهدها ورغبتها في التفرغ للعبادة بقية أيام حياتها المباركة، وطلبت منه أن يراجع في هذا المجال كتبا ذكرتها له آنذاك. فما كان منه إلا أن أرسل لي جوابا شكرني وتقبل عتابي الأخوي له ووعدني بتصحيح غلطته، وها هو اليوم يكرر عذره ووعده، وأجبته بأنني أحبه من صميم قلبي ولولا احترامي البالغ له لما كنت لأعاتبه.