بسم الله الرحمن الرحيم

نبذة عن حياة المرحوم

سيد عباس المهري

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (الأحزاب:23).

لا شك أن تعظيم العلماء العاملين الذين خدموا المجتمع بفكرهم وعلمهم وإيمانهم انما يعتبر رسالة دينية وانسانية، وذلك لنتعرف على قيم معنوية اكتسبوها ومدارج عز قد طووها، فتقتدي بهم ونهتدي بهداهم، "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله أولئك هم أولو الألباب) "الزمر -١٨(.

ونحن نتطرق في هذه العجالة الى ذكر أحد اولئك الذين اقتبسوا من أنوار علوم اهل البيت عيهم السلام فتفقهوا في الدين وأنذروا قوما رجعوا اليهم، إنه العلامة المجاهد المرحوم آية الله سيد عباس المهري.

لقد كانت حياة هذا العالم الجليل مليئة بالعظات والعبر، فيمكننا أن نتعلم من حياته دروسا في الإستقامة والصلاح والتواضع والخشية من الله وحده، إذ كانت غاية همه أن يثبت للناس أن الشريعة المحمدية على صاحبها آلاف الثناء والتحية، قادرة على لم الشمل ووحدة الكلمة وإصلاح مفاسد المجتمع وإعلاء كلمة الله وإحقاق الحق وإزهاق الباطل وإتمام مكارم الأخلاق .

سيد عباس المهري، رجل مؤمن حقا، راسخ في ايمانه، عاهد الله على أن يجاهد في سبيله طوال حياته ويبذل في الله كل غال ونفيس حتى تعلو كلمة الحق خفاقة في الآفاق، صدق الله على ما عاهده الى أن قضى نحبه، ليرجع بنفس مطمئنة الى ربه راضيا مرضيا.

 

ولادته ونسبه:

ولد المرحوم سيد عباس المهري سنة 1333 هجرية الموافق لسنة 1915 ميلادية في بيت مشهود له بالعلم والتقوى في قرية "مهر" من توابع مدينة لار جنوبي ايران.

كان سيدا موسويا ينتهي نسبه الى الإمام موسى الكاظم عليه السلام، هاجر احد اجداده من المدينة المنورة الى الإحساء شرقي الجزيرة العربية وسكن قرية تويثير هناك، واستمر ابناؤه في تويثير عهودا طويلة الى أن نازعتهم بعض القبائل المتعصبة فاضطر بعضهم الى الهجرة منها، فمنهم من انتقل الى العراق ومنهم من هاجر الى ايران وفيهم بعض اجداد سيد عباس وقد استقر بهم المقام في قرية مهر المذكورة آنفا. اشتغل غير واحد من آبائه الكرام في طلب العلوم الدينية وكان جده الأكبر سيد هاشم معروفا بالمجتهد. اما أمه السيدة خديجة فكانت من النساء الفاضلات، ويرجع نسبها الى المحدث والمفسر الكبير السيد هاشم البحراني قدس سره.

ايام طفولته:

لم يمض من عمره سوى 12 ربيعا حتى توفي أبوه وتكفل تربيته أخوه المرحوم سيد هاشم المهري وهو أكبر منه بخمسة عشر عاما،  فكان له نعم المربي ونعم الأب.

بالرغم من حدوث المجاعة في تلك السنوات وما كانت تعانيه هذه الأسرة الشريفة من فقر مدقع، فإن أخاه تحمل المشاق والشدائد وباع كل ما يستطيع بيعه ليتمكن من إرسال سيد عباس الى النجف الأشرف، ليرتشف العلم هناك من ينابيعها المترعة وهو لايزال في أوان شبابه.

دراسته:

وصل سيد عباس الى النجف الأشرف بعد تحمل مشاق الطريق وبدأ منذ وصوله يتلقي العلوم الدينية بشغف بالغ وبدون أن يقضي يوما في غير دراسة، حتى أيام العطل كان لا ينفك من المطالعة والتحقيق في زوايا الكتب.

كان يقول لنا: دروسي كانت مركزة جدا، كنت أتلقى ثلاثة دروس يوميا وأقوم بتدريس درسين بالإضافة الى مباحثة ثلاثة دروس أخرى مع أصحابي (على سيرة طلاب العلوم الدينية). وهذا الكم الكبير من الدراسة والتدريس كان أمرا غير اعتيادي للطلبة.

وان شدة عشقه لتلقي علوم أهل البيت كان يغنيه من أكل ما لذ وطاب فكان غذاؤه أحيانا يقتصر على الخبز واللبن والبطيخ.

وبالرغم من زهده في الأكل فإن غرفته (على عكس نظرائه) كانت مفتوحة للجميع وهو يوصي الطلاب أن يأكلوا ما يشاؤون من الغذاء حتى في حالة غيابه.

هجرته الى الكويت:

بعد أن أتم المقدمات والسطوح وبدأ بدراسة الخارج (دراسة الخارج في مصطلح الحوزة العلمية هي المرحلة النهائية في الدراسة والتي توصل الدارس بعد عناء طويل في البحث والتحقيق الى درجة الاجتهاد) عند كبار المراجع مثل آية الله سيد محمود الشاهرودي وآية الله سيد محمد تقي بحر العلوم وآية الله سيد محمد باقر المحلاتي قدس الله أسرارهم، طلب منه جماعة من أهل الكويت أن ينتقل اليهم ليرشدهم في امور دينهم ويهديهم ويعلمهم ما يلزمهم من ذلك، لكنه لم يرض بالهجرة من النجف اول الأمر الى أن أشار اليه كبار أساتذته وفي مقدمتهم المحلاتي الذي كان يرى فيه صورة المربي والوالد والمعلم في آن واحد، فأصر اساتذته جميعهم على استجابة طلب أهالي الكويت، فلم يجد بدا من الموافقة إذ رأى ذلك واجبا شرعيا ملقى على عاتقه لأن الشيعة كانوا بأمس الحاجة الى هاد مرشد، وهكذا هاجر الى الكويت، والناس بالكويت آنذاك في أبسط حياة وأفقرها، وقد بنوا له مسجدا اصبح فيما بعد واحدا من اشهر مساجد الشيعة في الكويت وهو مسجد شعبان.

لا أنسى قول آية الله الشيخ الوحيد الخراساني (من كبار مراجع قم) فيه، حيث قال: كل المعممين الذين كانوا يأتون الى الكويت أتوها بعد اكتشاف النفط وقد استفادوا أكثر مما أفادوا، ماعدا السيد عباس الذي أحيى الموات في الكويت. (يعني أنه خدم الناس أيام فقرهم، فرباهم وهداهم وهم الى مثله أحوج من العطشان الى الماء).

إرشاد الناس:

بالإضافة الى عبء تربية الناس وتعليمهم الأحكام الشرعية فإنه كان يدرس بعض المؤمنين دروسا في الفقه والأصول ولا يقضي لحظة من عمره عبثا وبدون عمل. مجلسه كان غاصا بالمؤمنين الذين يتزاحمون للحضور والإستزادة من تلك المعلومات القيّمة المفيدة. وكلما رأى جمعا من الناس فإنه يحاول أن يلقي عليهم موعظة أو خطابا عابرا أو يشرح حديثا من أحاديث أهل البيت عليهم السلام أو يفسر آية من القرآن. ولذلك فإن المقربين اليه بالرغم من أن بعضهم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب إلا أنهم كانوا متضلعين في الأحكام الشرعية ومسائل الحلال والحرام.

وأما في المساء وبعد أن يؤم المؤمنين صلاتي المغرب والعشاء في مسجد شعبان، فكان يرتقي المنبر ويشرح المسائل الشرعية والأحكام العملية ويبين الفتاوى المختلفة ليستفيد منها الحاضرون. ولا تنحصر مجالسه على الأحكام والمسائل بل كان يتطرق دائما الى المشكلات الإجتماعية ويحاول ايجاد حلول لها وفق التعاليم الاسلامية.

***

بصماته

للسيد بصمات ظاهرة في كل ناحية ومنطقة، لا في الكويت فحسب بل حتى في سائر دول الخليج وفي ايران والعراق. فقد اهتم بكل شؤون الحياة الإجتماعية والدينية والسياسية وكان همه الكبير رفع الحاجات المعنوية والمادية من الآخرين بصورة كلية أو جزئية مهما أمكن. ففي الوقت الذي نراه يساعد في بناء المساجد والحسينيات في المناطق الفقيرة من ايران والعراق ولبنان، نراه يساعد الفقراء بصورة جماعية أو فردية. وما رأيت أحدا يراجعه ويخرج خائبا أبدا، وكثيرا ما ساعد أقاربه وأصحابه بل وحتى الذين لم يعرفهم في أمورهم المادية والوظيفية بالإضافة الى اهتمامه بتثقيفهم وتعليمهم.

تأسيس المدرسة الجعفرية للبنات في الكويت:

وكان الأمر الذي يشغل باله طويلا عدم وجود مدرسة جعفرية لبنات مواطنيه الكويتيين، حتى تتلقى البنات فيها دروسا في العقيدة الى جانب الدروس الأخرى التي تهتم بها الحكومة. وأن تكون المدرسة قدوة للحجاب الإسلامي ولكل المظاهر الدينية الراقية. وذلك لشدة غيرته على الدين فلم يرض أن تدخل البنات الى المدارس الحكومية وبدون حجاب، كما كان يهمه كثيرا أن يتثقف أبناء وبنات المؤمنين بثقافة أهل البيت، ولذلك قرر تأسيس مدرسة جعفرية للبنات، اما البنين فكانت لهم مدرسة أيضا تحت إشراف المربي الفاضل المرحوم سيد محمد حسن الموسوي رضوان الله عليه.

وسعى كثيرا لأجل انجاح هذا المشروع العلمي والديني الهام حتى جمع أموالا من هنا وهناك وأسس بها مدرسة كاملة كانت أنموذجا في الرقي والتطور بالإضافة الى التثقيف والتربية الواقعية على منهاج أهل البيت عليهم السلام، وسماها "المدرسة الإسلامية الجعفرية للبنات"، وقد حاول المناوئون ايجاد عراقيل كثيرة لافشال المشروع ولكن السيد الذي عُرف عنه صموده وايمانه تصدى لكل تلك العراقيل بشجاعة حتى تم افتتاح المدرسة عام 1967اثناء حياته المباركة وعلى يديه الكريمتين.

مشاريع كثيرة :

وأما مشاريع بناء وترميم المساجد والمدارس والحسينيات والمدارس الدينية والآبار الإرتوازية وغير ذلك في المناطق الفقيرة فحدث ولا حرج، كم من المدن والقرى التي زرناها خلال هجرتنا الطويلة في ايران وجدنا فيها مشاريع انجزها المرحوم او شارك في انجازها او ترميمها. ومن جملة تلك المشاريع الخالدة ترميم وإعادة بناء مدرسة القزويني ومدرسة البخارائي لطلبة العلوم الدينية في النجف الأشرف.

ومن مشاريعه الباقية أيضا بناء مستشفى ضخم مجهز بكل الوسائل الحديثة في مدينة "مهر" مسقط رأسه، ولا تختص خدمات المستشفى بمدينة مهر الصغيرة بل تعم جميع المنطقة المحيطة بما فيها من مدن وقرى كثيرة، حيث كانت فقيرة ومحرومة من الخدمات المختلفة بما فيها الخدمات الطبية، وكم كان الناس يموتون قبل وصولهم الى المدن القريبة لعدم وجود مستشفى هناك. و كان هذا المستشفى في بداية عهده خاصا بالولادة ولكنه رحمه الله بدأ بإضافة أقسام أخرى اليه تدريجيا حتى بدا مستشفى كاملا بجميع أقسامه حتى العمليات المعقدة .. وكان لإبن عمي سيد إسماعيل المهري الدور الكبير في الإستمرار بتشغيله ولا زال يعمل جاهدا في تكميل ما لم يتسنّ للسيد عباس إنجازه .. ليس في هذا المجال فحسب بل في كل المجالات الحيوية والإنشائية والثقافية وعلى رأسها مؤسسة المعارف الإسلامية في قم المقدسة.

تأسيس مؤسسة المعارف الإسلامية:

ومن خدماته الجليلة الخالدة تأسيس "مؤسسة المعارف الإسلامية" في قم المقدسة بهدف حفظ التراث الإسلامي وتدوين تاريخ معتبر للشيعة واحياء علوم أهل البيت ومعارفهم، وقد كان موفقا في هذا السبيل الى أبعد الحدود بفضل تلك النية المباركة وجهود المخلصين في ادارتها وعلى رأسهم حجة الإسلام والمسلمين سيد اسماعيل المهري الذي لم يتوان لحظة في هذه الخدمة المقدسة، وقد أينعت المؤسسة ثمارها بكتابة وتأليف وتدوين واعادة طبع الكثير من الكتب المفيدة التي تنشر ثقافة أهل بيت العصمة عليهم السلام، ولازال الباحثون من العلماء والمحققين يعملون صباح مساء في هذا المركز العلمي والذي يحوي مكتبة عامة ضخمة للإستمرار في تقديم خدمات أفضل، تلبية للحاجة الملحة في نشر الوعي الاسلامي الصحيح النابع من العترة الطاهرة لتعم الفائدة جميع المسلمين ان شاء الله.

واليك جملة مما انجزته هذه المؤسسة المباركة، نذكرها دون حصر:

ل     تدوين وتأليف اكبر واهم موسوعة في كل ما يخص الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف تحت عنوان: "معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام"، حيث تم استخراج أكثر من 3000 حديث من 420 مصدرا من مصادر السنة والشيعة، وهي أول موسوعة من نوعها من حيث استيعاب المصادر جميعا والتبويب والفهرسة، وقد طبع بادئ الأمر في خمس مجلدات ضخمة ووزع في أرجاء العالم الإسلامي وطبع أخيرا في حلة جديدة وفي 8 مجلدات بعد أن أضيف اليها أحاديث كثيرة ومنها مجلدان ضخمان للآيات المؤولة في الإمام المهدي عليه السلام.

ل     احياء بعض كتب التراث والتي كان يخشى عليها من الضياع، فقامت المؤسسة بتحقيقها وتصحيحها وفي النهاية طبعها، ومن هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر:

1-      مؤلفات المرحوم السيد هاشم البحراني (تبصرة الولي وحلية الأبرار ومدينة المعاجز).

2-      كتاب الغيبة للشيخ الطوسي.

3-      مسالك الأفهام للشهيد الثاني .. الكتاب الفقهي الضخم الذي يعتبر مصدرا هاما من مصادر الفقه الشيعي.

4-      المزار للشهيد الأول.

5-      إقناع اللائم على إقامة المآتم للسيد محسن العاملي.

6-      شرائع الإسلام للمحقق الحلي الذي كان ولا يزال مرجعا للتدريس والبحث والتحقيق في فقه الشيعة الإمامية.

7-      رجال الشيعة في أسانيد صحاح السنة.

8-      أمالي الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والشيخ الطوسي معا في طبعة فاخرة في 10 مجلدات ضخمة.

9-      موسوعة الرسول والعترة للسيد عبد الله الموسوي البحراني في 14 مجلدا.

10- تفسير الصراط المستقيم للسيد حسين البروجردي. طبع منه خمسة مجلدات الى الآن.

ل     ترجمة العديد من كتب الحوار مع اهل السنة من اللغة العربية الى الفارسية، هذه الكتب كتبها المستبصرون واوردوا فيها قصة استبصارهم وعرضوا دلائل مقنعة لا يرى العاقل المنصف مناصا من الانقياد لها، ونذكر من بين تلك الكتب مؤلفات الدكتور محمد التيجاني مثل: "ثم اهتديت"، "الشيعة هم اهل السنة"، "فاسألوا اهل الذكر"، "لأكون مع الصادقين" وسائر كتبه، بالاضافة الى كتب مستبصرين آخرين مثل "حقيقة الشيعة الاثني عشرية" لأسعد وحيد القاسم، "الخدعة" لصالح الورداني، "الحقيقة الضائعة" لمعتصم سيد احمد، وغير ذلك الكثير، وقد قامت المؤسسة بطبع تلك الكتب ونشرها في ارجاء ايران. و قد طبع من بعضها أكثر من 300000 نسخة لحد الآن.

ل     تنظيم موسوعة الإمام الحسين عليه السلام والتي تهدف الى جمع المعلومات عن فضائل الإمام الحسين وسيرته وثورته واستشهاده وكل ما يتعلق به، وتنظيمها في عدة مجلدات حيث لا يزال كثير من الباحثين يعملون صباح مساء لإنجاز هذه الموسوعة المباركة.

ل     تأليف كتاب "الأحاديث الغيبية" الذي يشتمل على جميع الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام والتي تحتوي على الإخبار عن المغيبات، وتعدّ من المعجزات التي تثبت النبوة والإمامة، حيث تم استخراج أحاديثه من 500 مصدر من مصادر الشيعة والسنة وقد طبع في ثلاث مجلدات.

 

بعض مميزاته الأخلاقية

عبادته:

كان رحمه الله دائم الوضوء ويهتم بالمستحبات كإهتمامه بالواجبات ويتجنب المكروهات كتجنبه المحرمات، يصلي بتأن وهدوء، ولا يترك النوافل حتى في الأيام الصعبة. يقوم من نومه قبل الفجر بساعتين حتى لو لم يمض من نومه واستراحته الا القليل فما رأيناه نائما قبل الفجر أبدا. استيقظت ذات ليلة بعد منتصف الليل فرأيته واقفا في ساحة المنزل، تحت السماء وفي الظلام رافعا يديه الى السماء خاضعا خاشعا يدعو ربه ويبكي بكاء شديدا. استغربت ذلك فظننت أن به ألما أو يشكو من أمر، وفي اليوم التالي نقلت القصة للوالدة رحمها الله فضحكت وقالت: هذه عادته منذ عرفته وليس أمرا جديدا. وفي السنوات الأخيرة من حياته كنت أراه يستيقظ قبيل الفجر أكثر من ثلاث ساعات أي أنه قليلا من الليل ما يهجع ويقضي ساعات الليل الأخيرة في الصلاة والدعاء والقرآن، وكان يتلذذ بقراءة القرآن والدعاء خاصة في ليالي شهر رمضان المبارك.

كرمه:

ما رأيته يرد سائلا ولا محروما بل وأكثر من ذلك فإن كان قد لبس رداء جديدا وجاءه أحدهم مادحا رداءه، رأيته ينزع الرداء ويعطيه الرجل ويقنع بملابسه القديمة. وعندما كانت الوالدة تعترض عليه يقول مبتسما: "ملابسي ليس بها شيء، وكأنها جديدة" وبذلك ينتهي الأمر بسلام. وإذا أُخبر بوجود فقير من أقربائه أو حتى من الأبعدين فكان لا يبالي أن يقضي حوائجه المادية مما تبقى من ماله، فكنت أحيانا أحذره من نفاد ما في حسابه بالبنك فيبتسم ويقول: ما أنفقته ليس مني بل مما رزقني ربي وتأكد أن الله لا ينسى عباده أبدا.

إكرامه الضيف:

وأما إكرامه للضيف فكان مما يحتذى به، فبيتنا كان مأوى دائما للضيوف، ومعظمهم من طلاب العلوم الدينية والمبلغين الذين يأتون الى الكويت دائما وخاصة في أيام شهر رمضان وشهري محرم وصفر، فكان بيت السيد منزلهم وكنا نخدمهم حسب أوامره وبكل رضا وراحة نفسية. والوالدة رحمها الله كانت لا تتضجر ابدا من كثرة الضيوف فتطبخ الطعام يوميا لكل هذا الجمع الغفير من الضيوف دون أن تشتكي من التعب وتعتبر ذلك عملا صالحا ينفعها يوم لا ينفع مال ولا بنون. هكذا رباها أبونا كما ربانا أيضا بتلك التربية المحمدية السامية.

حبه لأهل البيت:

كان حبه لأهل البيت عليهم السلام أيضا يفوق المعتاد، فما أن يأتي الخطيب بذكر اسم الإمام الحسين عليه السلام الا وتسيل دموعه دون اختيار. وكان يقيم مراسم العزاء لكل أهل البيت كما كان يحتفل بمواليدهم جميعا. وفي كل ليالي الاثنين كان يقيم في منزله مجلسا للوعظ ولإحياء ذكر اهل البيت عليهم السلام. وامتدت هذه العادة الكريمة الى آخر يوم من عمره الشريف، بل واستمر بعده من قبل ابنه الأكبر المرحوم سيد محمد المهري.

ادارته للبيت:

كان دائما يساعد أهله في أعمال المنزل بل وحتى في الترميم واصلاح بعض عيوب البيت، فيباشرها بنفسه ليعلم أبناءه أن لا يتكئوا دائما في أعمالهم على الغير.

وكان لا يحب الإسراف أبدا، فبالرغم من وضعه المادي الجيد نوعا ما فإن الإسراف لم يكن له مكان في حياته. واذا كان يخرج من الغرفة حتى ولو لفترة وجيزة فإنه يطفئ المصباح ويأمرنا بذلك دائما. وقد علّمنا أن نأكل المتبقي من أكل النهار في الليل بل وحتى في اليوم الذي يليه ويوصينا بعدم الطبخ زيادة على الحاجة وان زاد فعلينا أن لا نحذف الزيادة في القمامة حتى لو كانت بسيطة.

تواضعه:

كان التواضع سمة بارزة فيه، يحترم الكبير والصغير، ويسلم على كل من يلقاه حتى لو كان صغيرا. ويقوم في مجلسه لكل من يحضر، وكان يكنّ للسادة من سلالة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله احتراما خاصا بالرغم من كونه سيدا شريفا بنفسه أيضا. وإليك بعض جوانب التواضع البارزة فيه:

1.  في السنة الأخيرة من حياته وحيث كان مريضا ويصعب عليه احترام القادمين الى مجلسه، رأيته أحد الأيام وقد أقبل رجل فقير، فقام من مقامه بكل صعوبة واحترمه احتراما بالغا. وبعد أن خرج الرجل اعترضنا عليه ذلك الاحترام البالغ مع ما به من ضعف، فرد علينا: من يعرف؟ ربما كان مقامه عند الله أكبر مني ومنكم. علينا أن نحترم كل مؤمن فلعله يكون أكبر شأنا وأعظم قدرا عند بارئه. وبذلك علمنا درسا هاما.

2.  ومن تواضعه أنه كان أحيانا يركب سيارة الوانيت ليذهب الى المسجد وعندما اعترضنا عليه ذلك، قال: "لو كانت عربانة أيضا ما كنت أتكبر في ركوبها، وصدقوني يا أبنائي أن كرامة الإنسان وشخصيته لا تكمن في اقتناء وركوب سيارة فخمة. الإنسان عظيم بتقواه لا بسيارته أو أثاث بيته".

3.  ومن عجيب تواضعه أنه اذا ناقش بعض أقرانه من رجال الدين في مسألة علمية واستعصى الأمر على الطرف الآخر ولم يستطع الاجابة لجهله بالمسألة، كان السيد يغير البحث فورا حتى لا يخجل الطرف الآخر ولا يتحرج.

4.  عندما كان يحضر مجلسا يجلس في أي مكان فارغ ولا يصر على الجلوس في صدر المجلس كما يفعله البعض، وذلك حتى لا يزعج الآخرين فيضطروا الى إفساح المجال له، بل يكره للمرء أن يزاحم الآخرين من أجل الجلوس في صدر المجلس مثلا، ويقول: هذا من الكبر.

وخلاصة القول أنه كان يطبق تماما وصايا قادته وولاة أمره عليهم السلام في شتى أمور حياته من ملبس ومسكن ومعاشرة وحديث وزيارة وغير ذلك.

 

مواقف مضيئة في حياة السيد

شجاعة نادرة:

ايراهيم الجبهان اسم لناصبي بغيض، قلبه مليء ببغض أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. كان الجبهان كويتي الجنسية ويسكن الكويت، ولكنه يكتب مقالاته في مجلة "راية الإسلام" أو بالأحرى "راية النفاق" السعودية التي تصدر من الرياض، والقائمون عليها من الوهابيين الذين يعادون الشيعة وأئمتهم وبالتالي لا يمتنعون عن نشر أي مقال يسيء الى الأئمة ومن يواليهم. وقد نشر الجبهان هذا خطابا موجها الى فضيلة شيخ الجامع الأزهر المرحوم الشيخ محمود شلتوت في العدد الخامس من المجلة المذكورة سنة 1380 هجرية يرد عليه دعوته الى الوحدة بين طوائف المسلمين وجواز التعبد بالمذهب الجعفري، ولم يكتف باتهام الموالين وشيعة أمير المؤمنين بالتهم الزائفة الباطلة من قبيل عبادتهم عليا أو تحريفهم للقرآن – كما نسمعها في كل أوان – بل وتجاسر على رمز المذهب الجعفري وانتهك حرمة مولانا وإمامنا الصادق جعفر بن محمد عليه وعلى آبائه وأبنائه الصلاة والسلام وتكلم بكلمات نابية أعجز عن تكرارها.

وما أن قرأ سيدي الوالد رضوان الله عليه هذا المقال حتى استشاط غضبا وثارت ثورة البطل الفذ الشهم في مقابل الأعداء اللئام للأئمة الكرام، وبناء على الحكم الشرعي في قتل كل من تسول له نفسه أن يشتم الأئمة المعصومين او أي واحد منهم، نوى السيد عباس القضاء على هذا الكاتب الناصبي ليكون درسا وعبرة لمن خلفه حتى لا يتجرأ أحد على شتم الأئمة الهداة المهديين المفترضة طاعتهم على المسلمين.

وبعد يومين تقريبا طلب عقد اجتماع مغلق مع علماء الشيعة في منزل أحدهم، ووضّح لهم هناك الفكرة وطلب منهم العون، ولكنهم أبوا ذلك وقالوا له: نخاف من اشتعال الفتنة، والأفضل عدم التعرض للكاتب جسديا بل الاكتفاء بالجواب التحريري. ولكن السيد لم يرتو من مجرد بحث يكتب دون أن يمسح بالناصبي الأرض.

وبناء عليه أحضر أحد أنصاره وكان رجلا شجاعا اسمه عباس (رحمة الله عليه)، وطلب منه أن يتابع تحركات الرجل وجيئته وذهابه. فأطاع عباس دون خوف ووجل من عاقبة الأمر، وتكفل السيد كل مصاريف العملية وكذلك الإنفاق على عائلة عباس اذا ما حصل له أي مكروه.

الا أن الأمر خرج من دائرة الخفاء ووصل الخبر الى الحكومة. وفي أحد الأيام (ربما أقل من أسبوع بعد الإجتماع بالعلماء) طرق باب الديوانية في الصباح الباكر. فذهبت لأرى من الطارق. قال لي: أنا درويش العرادي وأريد مقابلة السيد لأمر مهم جدا. طلبت منه الإنتظار في الديوانية ودخلت البيت وأخبرت الوالد، فتغيرت ملامحه وظهرت عليه آثار الغضب وتمتم قائلا: لقد فشلت الخطة مع الأسف، ولم أدر ساعته ما هو قصده.

وبعد أن ذهب الرجل، سألته بما حدث.. فقال: انه مدير مكتب الأمير (الشيخ عبد الله السالم الصباح) وقال لي: الشيخ يسلم عليك كثيرا ويقول: لا تهتم، فقد أزلنا الفتنة وأرحناك منها. قلت له: وكيف ذاك؟ فقال: امر الشيخ عبدالله بسحب الجنسية الكويتية من الجبهان، وتم تسفيره في سيارة مع أهله البارحة بعد منتصف الليل وأبعدته الحكومة - ذليلا مهانا - الى السعودية دون رجعة. فقال له الوالد: ولكني أردت القضاء عليه نهائيا حتى يكون عبرة لغيره، وعلى كل حال فلعل الخير كان في ما وقع، وأبلغ سمو الأمير سلامي وشكري له لإبعاده رأس الفتنة من البلاد.

وبعد فترة وجيزة من إبعاد الجبهان عن الكويت ألف سماحة السيد كتابا للرد عليه أسماه "شعاع من التاريخ" يقول في مقدمته:

لقد تعرض رجل يسمونه (إبراهيم الجبهان) في خطاب موجه لفضلية شيخ الجامع الأزهر: (الشيخ محمود شلتوت) في ص (12) من العدد الخامس من مجلة (راية الإسلام) الصادرة في الرياض (عاصمة المملكة السعودية) وأن الحق الذي يرض فاه ويقطع لسانه هو شيخ الأزهر بنفسه، فهو الذي يكذبه ويعلن أنه جاهل. ويبطل عمله المشكور في التقريب بين المسلمين، ونحن لا نتعرض إلى الجواب على سائر ترهاته وأباطيله فإنه لا تحده حدود .. إلا إلى شفا جرف هار ينهار به في قاع جهنم ..

نعم .. نتعرض لبعض ما نسبه كذبا إلى الشيعة: القول بتحريف القرآن وأنهم على خلاف السنة، وأن منهم "القرامطة" وصاحب الزنج وأبا مسلم الخراساني, وبابك الخرمي، ومزدك، والإسماعيلية والصباح وغيرهم، وغير ذلك من أكاذيبه مما تضحك الثكلى. ونشير إلى تجاسره بالنسبة إلى أئمة الدين، وتكذيبه أخيار الشيعة، وادعائه أنهم يعبدون علياً وذريته، وأنهم يتصرفون في الأرزاق والآجال وغيرها مما طعن عليهم، وسيظهر لك فساده وفسقه وضلاله، تنبيهاً للغافلين، وتنبيهاً للعالمين، وإشفاقاً على جماعة من السذج والبسطاء من وقوعهم في دائرة الحيرة أو الضلال، متقربا في ذلك إلى الله تعالى ورسوله صاحب الشريعة، وإلى أئمة الحق علي أمير المؤمنين وأبنائه المعصومين سلام الله عليهم أجمعين. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

 

صلابة الموقف:

أقام أحد أقاربنا مجلس عزاء للزهراء سلام الله عليها، وكان المجلس غاصا بالحضور. وبينما نحن جالسون اذ أقبل أحد رجال الدين ممن كنا نعدّه شخصية جديرة بالإحترام. وبالفعل قام كل من في المجلس احتراما له ولكن السيد رحمه الله لم يقم من مقامه وبدا الغضب واضحا في محياه. فاستغربنا لهذا الموقف مع أننا نعلم عنه شدة تواضعه امام الآخرين حتى أنه كان يقوم من مقامه اذا دخل شاب صغير لمجرد انتسابه الى رسول الله صلى الله عليه و آله، فما باله لا يقوم احتراما لشخصية كبيرة ومن سلالة الرسول ايضا.

بعد أن انفضّ الجمع، قال لصاحب المجلس: لو كنت أعلم أنك قد دعوت هذا الرجل لمجلسك، لما كنت أحضر بالرغم من أني أعتبرك مثل ابني!

قلنا له: ولماذا؟ أليس الرجل جديرا بالاحترام، وهو شخصية علمية مرموقة؟

قال: لا أنكر فضله ولكنه يعادي الإمام الخميني ولا يكتفي بإضمار العداء بل إنه يتكلم بوقاحة ضد الإمام ويتجرأ عليه دون تحفظ! فمثل هذا الشخص لا يستحق اي إحترام.

 

اللقاء مع الإمام الصدر:

كثيرا ما كنت أسمع منه حبه واحترامه للإمام السيد موسى الصدر. وفي إحدى زيارات الصدر للكويت وبعد مضيّ أكثر من ثلاثة أيام على قدومه للكويت، ما رأيت والدي يزوره كبقية علماء البلد ووجهائه، فاستغربت من موقفه وقلت له: أما تحب السيد موسى الصدر؟ قال: بالعكس، أحبه وأجلله وأحترمه أكثر احترام.

قلت: فلماذا لم تزره وهو الآن ضيف على بلدنا؟

قال: لقد جاء بناء على دعوة فلان وحل ضيفا عنده وهذا الرجل من كبار الأثرياء في البلد. ولقد أبلغت السيد الصدر أنني أود زيارته كثيرا ولكني لم أزره مادام في بيت هذا الرجل! فأرسل لي جوابا بأنه سوف يزورنا في منزلنا بعد ثلاثة ايام من قدومه، وأظنه يزورنا غدا، وهكذا كان. ففي اليوم التالي جاء بنفسه الى منزلنا وزار والدي في البيت فقال له الوالد ممازحا: هذه الزيارة بالنيابة عنا والواجب عليك أن تردّ الزيارة مرة أخرى! ورأيتهما يتعانقان ويتصافحان بحرارة وأبلغه والدي عن مدى حبه له وتأييده لمواقفه المشرفة في لبنان وغيره.

 

محاربة البهائيين:

ينقل لنا أحد المقربين اليه (الحاج عباس) بأن السيد كتب ذات يوم رسالة للمرحوم الحاج مراد البهبهاني وأعطاني الكتاب وقال: اذهب الآن الى مكتب الحاج مراد وأعطه الرسالة وقل له: السيد يريد جوابا فوريا.

يقول الحاج عباس: أخذت الرسالة وذهبت الى مكتب الحاج مراد. قيل لي: هل لك موعد مسبق فالحاج مراد مشغول جدا اليوم. قلت: لا، ليس لي موعد من قبل ولكني احمل رسالة خطية هامة من السيد عباس المهري وأريد ايصالها اليه الآن. فأبلغوه بالأمر فأذن لي بلقائه فورا وبدون تأخير.

أعطيته الرسالة، ففضها وقرأها بتمعن ثم سألني: هل تعلم محتوى الكتاب؟ فأجبت بالنفي، فقال: إن السيد قد أمرني في رسالته بأن أطرد من كراج السيارات لدي كل البهائيين من موظفين وميكانيكيين، وفي أسرع وقت وإلا فسوف يعلن للمؤمنين حرمة التعامل معي.

ثم قال لي الحاج مراد: ابلغ السيد سلامي وقل له: على أمرك، ولكن أمهلني شهرا واحدا وسوف أسرّح كل البهائيين الموجودين عندي في الكراج، اما بالنسبة لمدير الكراج - وكان بهائيا ايضا - فأحتاج الى بضعة أشهر حتى أعين أحدا مكانه. ونفذ الحاج مراد أمر السيد خلال مدة قصيرة.

 

شدة اهتمامه في ما يُذكر عن المعصومين:

في إحدى المناسبات الدينية ، ارتقى أحد الخطباء المنبر في مسجد شعبان، وكان السيد جالسا في المجلس، وفي أثناء حديثه عن احد الأئمة المعصومين عليهم السلام تطرق الى قصة تاريخية، وقبل أن يكمل قصته انبرى له السيد غاضبا ونهره بشدة فقال: هذه القصة من مختلقات الأمويين، ولا ينبغي لك أن تذكرها! فاستسلم الخطيب وغير مجرى الحديث. وبعد انتهاء المجلس اعتذر من الوالد فما كان منه إلا أن يقبل اعتذاره وبكل محبة ثم نصحه بأن يحتاط كثيرا في إختيار أحاديثه ولا ينقل الا ما صدر من منبع روائي موثق.

وقد تكرر منه مثل هذا الموقف كثيرا وذلك لاهتمامه البالغ في ما يذكره المحدثون والخطباء عن المعصومين سلام الله عليهم، فيصحح أخطاءهم وإن كان التصحيح في أغلب الأوقات يتم بعد الإنتهاء من المجلس، إلا إذا كان الأمر لا يحتمل الصبر فحينئذ لا يسكت عن التصريح بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم.

 

الغيرة على الدين:

عندما كنت مع بعض أصدقائي ندرس في كلية الآداب في لبنان، وفي أول سنة من وجودنا هناك، جاءنا السيد قادما من الكويت وتشرفنا بلقائه المبارك في قرية القماطية بلبنان. كان سبب سفر السيد الى لبنان أنه يريد أن يحصل على معلمات من الموالين للتدريس في المدرسة الاسلامية الجعفرية للبنات في الكويت، وفي اليوم الأول من تواجده هناك لاحظ  أن النساء والبنات في القماطية لا يلبسن الحجاب مع أنهن من الموالين، فتأثر كثيرا وقال لصاحب البيت الذي كنا فيه: أريد اجتماعا عاجلا مع نساء وبنات البلدة، استغرب صاحبنا وبعد استفساره عن سبب الإجتماع، وضّح له الوالد أنه يريد أن ينصحهن. فما كان من صاحبنا إلا ونشر في البلدة أن السيد المهري يريد أن يخطب في النساء دون الرجال، فاجتمعن في يوم الجمعة في الجنينة (مزارع الفواكه في القرية) ووضعن كرسيا للسيد وتأهبن لإستماع حديثه.

بدأ السيد خطبته بالآيات والأحاديث الدالة على وجوب الحجاب على المرأة المسلمة وخصهنّ بالأمر لأنهن يتبعن الأئمة المعصومين عليهم السلام، فكان حديثه جذابا ومؤثرا لدرجة أننا رأينا النساء كبارا وصغارا بدأن بالبكاء لا اراديا. تاثر الجمع بهذا الحديث القيّم وقالت إحداهنّ: ليتك يا سيدنا تزورنا كل شهر أو شهرين لنستفيد من وجودك، فعالمنا وإمام مسجدنا لم يقل لنا ما قلته اليوم طوال مدة وجوده بيننا!

أجل: إنهم غالبا يأتون بآيات المغفرة وروايات الشفاعة حتى لا يشمئز الناس وينسون أن الإنذار أهم من التبشير، وأنه لا بد من ذكر الخوف قبل الرجاء حتى لا يتجرأ المرء على عصيان الجبار المنتقم.

 

مع الشيخ محمود أبو رية:

الشيخ محمود أبو رية، العلامة المصري المحقق، معروف لدى الجميع فقد كتب كتابين خالدين على مر الزمان، بيّن فيهما كثيرا من الأمور المطروحة على الساحة وأبدع فيهما إبداعا قل له نظير وهما: "أضواء على السنة المحمدية" و"شيخ المضيرة أبوهريرة"، وبدون شك فإن رجلا منصفا مثل أبو رية لا يكتب الا بالدليل القاطع والبرهان الساطع عما آلت اليه السنة المحمدية بعد استيلاء الأمويين والعباسيين على الحكم وجلوس من لا يستحق على مسند الخلافة، ولكن لم يُعجب موقفه الكثيرين من أتباع يزيد ومعاوية، فقد كان مصير الشيخ الجليل أن يُطرد من جامع الأزهر ويوقف راتبه ويُضرب بواسطة وعاظ السلاطين لا بارك الله فيهم. وما أن سمع سيدنا المهري بهذا الخبر، أرسل ابنه أحمد الى مصر ليستطلع الأمر ويحقق في القضية وبعد أن قابل أحمد الشيخ أبو رية وعرف منه ما عرف، رجع الى الكويت وأبلغ الوالد بالأمر، فما كان من السيد إلا أن كتب اليه رسالة يشكره فيها لمواقفه الجليلة تجاه الإسلام والسنة المحمدية الصحيحة وأغدق عليه من المال بصورة مستمرة حتى لا يحتاج في أموره الدنيوية الى لئام الخلق.

 

مع الشيخ محمد جواد مغنية:

الشيخ محمد جواد مغنية أشهر من أن يوصف، فإنه كالنار على المنار في تأليفاته وكتبه التي دافع فيها عن الحق وعن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وكان الوالد رحمه الله يحترمه لذلك. وفي سفرة له الى بيروت وكنت انا ايضا معه، زاره كثير من العلماء اللبنانيين ومنهم الشيخ مغنية، وفي زيارته تلك قدم الشيخ المحقق إعتذارا شديدا للوالد، ووعده بتصحيح ما بدر منه في الطبعة الجديدة من كتابه! ولم نكن نعرف ما الأمر إلى أن قام الشيخ وودعنا وانصرف. فسألت الوالد مسرعا: ماذا كان يقصد شيخنا، ولم الإعتذار منكم؟ فقال: قبل مدة كتب الشيخ كتابا عن السيدة زينب سلام الله عليها وفي الكتاب (الذي نسيت اسمه) تعرض لمن بقي من أهل البيت بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وذكر فيه أن السيدة سكينة بنت الإمام الحسين سلام الله عليهما لم تتزوج بعد هذه الحادثة وكان لها مجلسا أدبيا عامرا يحضره الشعراء والأدباء، وربما كان السبب في إقامة هذا الديوان أن يكون عاملا لنسيانها ما حدث لأبيها وأهلها في حادثة الطف الأليمة! وما أن قرأت هذا الموضوع العاري عن الصحة تماما (والكلام للوالد) غضبت واستغربت من تأثر الشيخ المحقق مغنية بما ألفه الأموي الحاقد أبو الفرج الإصبهاني في أغانيه عن هذه السيدة الجليلة من أهل البيت الكرام سلام الله عليهم ولم يذكر ذلك أحد قبله. فكتبت على الفور رسالة الى الشيخ محمد جواد مغنية وعتبت عليه شديدا كيف انطلى عليه ما كتبه ذلك الأموي وكيف يقبل هذه القصة الموضوعة بهدف النيل من مقام ابنة سيد الشهداء عليهما السلام والتي ابتعدت عن الزواج لزهدها ورغبتها في التفرغ للعبادة بقية أيام حياتها المباركة، وطلبت منه أن يراجع في هذا المجال كتبا ذكرتها له آنذاك. فما كان منه إلا أن أرسل لي جوابا شكرني وتقبل عتابي الأخوي له ووعدني بتصحيح غلطته، وها هو اليوم يكرر عذره ووعده، وأجبته بأنني أحبه من صميم قلبي ولولا احترامي البالغ له لما كنت لأعاتبه.

 

الوصــايا :

من سماته البارزة في وصيته الباقية الوعظ والإرشاد فكما كان دائما يوصينا بالتقوى والورع ، ففي وصيته أيضا نراه يبدأها بالموعظة وإرشاد ذويه وأهله بالكف عن محارم الله وبالورع و خشية الله في السر والعلن. ثم يوصي بجزء من ثلثه لأقربائه الفقراء، وهذا ما لم يشهده أحد في وصايا غيره إلا ما ندر. وليس دعوته إلى الإيمان والعمل الصالح منحصرا في وصيته الأخيرة بل كان يغتنم كل فرصة لنصحنا ووعظنا. وكثيرا ما كان يتلو آية أو يقرأ حديثا ليبدأ به كلامه الشيق بإصرار وإلحاح عن ضرورة الإلتزام بما أمر الله والكف عما حرمه سبحانه، سواء كان ذلك في مناسبة خاصة أو عامة بل وحتى دون أي مناسبة فقد كان الحديث الأنسب له الدعوة إلى الله والتخلق بأخلاق المعصومين عليهم السلام.و حتى في رسائله و مكاتيبه الخاصة كان ينصحنا و يوصينا بالتقوى . عندما كنت أدرس في جامعة بيروت العربية بلبنان كتب لي رسالة لإيصال بعض الرسائل الى أصحابها و لترتيب سفر بعض المدرسات و الهيئة الإشرافية للمدرسة الجعفرية للبنات .. جاء في هذه الرسالة : " حبيبي و قرة عيني محمد جواد أيده الله تعالى في الدارين و حفظه و من معه من كل آفة و عاهة و عين و حرسهم من كل شين و مين و بعد .. حبيبي عرفت الله بفسخ العزائم و نقض الهمم و ما توفيقي الا بالله ...حبيبي : كونوا واعين في دينكم و دنياكم و لا تغفل عن النفس و ميولاتها و لا بإشارات الناس و مقالاتهم واذكرني و اذكر ربك الذي خلقك و وهبك الموهوبات من نعمه و سواك فعدلك ..."

 

نهاية المطاف

وأخيرا بعد مضي 75 عاما من الحياة الحافلة بالمكرمات والخدمات الجليلة، انتقل السيد عباس المهري الى جوار ربه بتاريخ 1988/2/15 ميلادية الموافق 1408/6/26 هجرية ودفن في مدينة قم المقدسة بجوار فاطمة المعصومة عليها السلام وفي المسجد الذي يحتضن عادة طلاب العلوم الدينية يذاكرون فيه دروسهم، وليكون قبره في أقدس بقعة من الحرم المقدس ومجاورا لقبور كبار العلماء ومراجع الدين المدفونين هناك.

وقد شيع تشييعا ضخما، فشارك في تشييعه ودفنه الكثير من المراجع والعلماء الكبار. وبقيت مدينة قم قرابة شهر كامل تقيم العزاء عليه في مساجدها وحسينياتها. وأقيمت له مجالس العزاء في كثير من المدن في ايران وخارجها.

مؤلفاته:

له مؤلفات منها مطبوعة ومنها غير مطبوعة وناقصة:

1- كتاب شعاع من التاريخ: (للرد على الناصبي ابراهيم الجبهان) وقد اشرنا آنفا الى أن الجبهان لعنه الله قد كتب مقالا في مجلة راية الإسلام السعودية أهان فيها رئيس الطائفة الإمام الصادق عليه السلام، وتصدى له السيد علميا وعمليا.

2- شعاع من سيرتنا وسنتنا.

3- دروس في الدين: لطالبات المدرسة الإسلامية الجعفرية التي أسسها في الكويت سنة 1967.

4- رسالة في بيان حرمة لحم الخنزير.

5- تفسير سورة العصر.

6- تقريرات دروس الزكاة (غير كاملة).

7- رسالة في الحجاب.

أبناؤه:

للسيد عباس المهري سبعة أبناء وأربع بنات. أكبر أبنائه المرحوم العلامة سيد محمد المهري الذي كان عالما فاضلا متواضعا وهو صهر المرحوم آية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي. درس الإبتدائية والمتوسطة في الكويت ثم انتقل الى النجف الأشرف ومكث فيه طويلا يتتلمذ على كبار العلماء. وبعد انتصار الثورة في ايران هاجر اليها مع أسرته وأبنائه وبقي فيها إماما للجماعة ومدرسا وخطيبا الى سنة 1994 حيث رجع مرة أخرى الى وطنه الكويت، و أصبح إماما للجماعة في مسجد شعبان، خلفا لأبيه، يرجع اليه المؤمنون في مسائل دينهم وأحكام شريعتهم.

 ومن أبرز أبناء المرحوم سيد عباس المهري، سماحة العلامة سيد مرتضى المهري، الفقيه الأصولي المفسر للقرآن، و قد صرف تمام عمره في تحصيل العلوم الدينية – بعد دراسة مختصرة في المدرسة الجعفرية في الكويت – ابتداء من النجف الأشرف حيث درس عند كبار العلماء فيه أمثال السيد الخوئي والإمام الخميني والسيد السيستاني، وانه اليوم يعتبر من أقرب المقربين الى السيد السيستاني حفظه الله ووكيله المعتمد، وقبل انتقاله من الحوزة العلمية في قم الى الكويت كان يدرس طلاب العلوم الدينية في قم خارج الفقه والأصول. كما كانت له في قم دروس في تفسير القرآن الكريم ولا زال مستمرا بها في الكويت.

**************

 

رحمك الله سيدي فقد كنت لي مربيا وأبا وأستاذا ومرادا وأنموذجا يحتذى به وقدوة ودليلا وعونا ومرشدا وهاديا.

غفر الله تعالى لك وحشرك مع من واليتهم وأحببتهم ووقفت حياتك في احياء ذكرهم والدفاع عنهم.

 

محمدجواد المهري