بسم
الله الرحمن
الرحيم
نبذة
عن حياة
المرحوم
سيد
عباس المهري
مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا
اللهَ
عَلَيْهِ
فَمِنْهُمْ
مَنْ قَضَى
نَحْبَهُ
وَمِنْهُمْ
مَنْ يَنْتَظِرُ
وَمَا
بَدَّلُوا
تَبْدِيلا (الأحزاب:23).
لا شك أن تعظيم العلماء العاملين
الذين خدموا المجتمع بفكرهم وعلمهم وإيمانهم انما يعتبر رسالة دينية وانسانية،
وذلك لنتعرف
على قيم معنوية اكتسبوها
ومدارج عز قد طووها، فتقتدي
بهم ونهتدي بهداهم، "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله أولئك هم أولو الألباب) "الزمر -١٨(.
ونحن
نتطرق في هذه
العجالة الى
ذكر أحد اولئك
الذين
اقتبسوا من
أنوار علوم
اهل البيت
عيهم السلام فتفقهوا
في الدين
وأنذروا قوما رجعوا
اليهم، إنه العلامة المجاهد المرحوم آية الله سيد عباس المهري.
لقد كانت حياة هذا العالم الجليل مليئة بالعظات والعبر، فيمكننا
أن نتعلم من حياته دروسا
في الإستقامة والصلاح والتواضع والخشية من الله وحده، إذ
كانت غاية همه
أن يثبت للناس
أن الشريعة المحمدية على صاحبها آلاف الثناء والتحية، قادرة على لم الشمل ووحدة الكلمة وإصلاح مفاسد المجتمع وإعلاء كلمة الله وإحقاق الحق وإزهاق الباطل وإتمام مكارم الأخلاق .
سيد
عباس المهري،
رجل مؤمن حقا،
راسخ في ايمانه،
عاهد الله على
أن يجاهد في
سبيله طوال
حياته ويبذل
في الله كل
غال ونفيس حتى
تعلو كلمة الحق
خفاقة في
الآفاق، صدق الله
على ما عاهده
الى أن قضى
نحبه، ليرجع
بنفس مطمئنة
الى ربه راضيا
مرضيا.
ولادته
ونسبه
ولد
المرحوم سيد
عباس المهري
سنة 1333 هجرية الموافق
لسنة 1915
ميلادية في
بيت مشهود له
بالعلم
والتقوى في
قرية "مهر" من
توابع مدينة
لار جنوبي
ايران.
كان
سيدا موسويا
ينتهي نسبه
الى الإمام
موسى الكاظم
عليه السلام،
هاجر احد
اجداده من
المدينة
المنورة الى
الإحساء شرقي
الجزيرة
العربية وسكن
قرية تويثير
هناك، واستمر
ابناؤه في
تويثير عهودا
طويلة الى أن نازعتهم
بعض القبائل
المتعصبة
فاضطر بعضهم الى
الهجرة منها،
فمنهم من انتقل
الى العراق
ومنهم من هاجر
الى ايران
وفيهم بعض اجداد
سيد عباس وقد
استقر بهم
المقام في
قرية مهر المذكورة
آنفا. اشتغل
غير واحد من آبائه
الكرام في طلب
العلوم
الدينية وكان
جده الأكبر
سيد هاشم
معروفا
بالمجتهد. اما
أمه السيدة
خديجة فكانت
من النساء
الفاضلات،
ويرجع نسبها
الى المحدث
والمفسر
الكبير السيد
هاشم
البحراني قدس
سره.
ايام
طفولته
لم يمض
من عمره سوى 12
ربيعا حتى
توفي أبوه وتكفل
تربيته أخوه المرحوم
سيد هاشم
المهري وهو
أكبر منه
بخمسة عشر
عاما، فكان
له نعم المربي
ونعم الأب.
بالرغم
من حدوث
المجاعة في
تلك السنوات وما
كانت تعانيه
هذه الأسرة
الشريفة من
فقر مدقع، فإن
أخاه تحمل
المشاق والشدائد
وباع كل ما
يستطيع بيعه
ليتمكن من
إرسال سيد عباس
الى النجف
الأشرف، ليرتشف
العلم هناك من
ينابيعها
المترعة وهو لايزال
في أوان شبابه.
دراسته
وصل سيد
عباس الى النجف
الأشرف بعد
تحمل مشاق
الطريق وبدأ
منذ وصوله يتلقي
العلوم
الدينية بشغف
بالغ وبدون أن
يقضي يوما في
غير دراسة،
حتى أيام
العطل كان لا
ينفك من
المطالعة
والتحقيق في
زوايا الكتب.
كان
يقول لنا:
دروسي كانت
مركزة جدا،
كنت أتلقى
ثلاثة دروس
يوميا وأقوم
بتدريس درسين
بالإضافة الى
مباحثة ثلاثة
دروس أخرى مع
أصحابي (على
سيرة طلاب
العلوم
الدينية). وهذا
الكم الكبير
من الدراسة والتدريس
كان أمرا غير
اعتيادي
للطلبة.
وان
شدة عشقه
لتلقي علوم
أهل البيت كان
يغنيه من أكل
ما لذ وطاب
فكان غذاؤه
أحيانا يقتصر
على الخبز
واللبن والبطيخ.
وبالرغم
من زهده في
الأكل فإن
غرفته (على
عكس نظرائه)
كانت مفتوحة
للجميع وهو
يوصي الطلاب
أن يأكلوا ما
يشاؤون من
الغذاء حتى في
حالة غيابه.
هجرته
الى الكويت
بعد أن
أتم المقدمات
والسطوح وبدأ
بدراسة
الخارج (دراسة
الخارج في مصطلح
الحوزة
العلمية هي
المرحلة
النهائية في
الدراسة
والتي توصل
الدارس بعد
عناء طويل في
البحث
والتحقيق الى
درجة
الاجتهاد) عند
كبار المراجع
مثل آية الله
سيد محمود
الشاهرودي وآية
الله سيد محمد
تقي بحر
العلوم وآية
الله سيد محمد
باقر
المحلاتي قدس
الله أسرارهم،
طلب منه جماعة
من أهل الكويت
أن ينتقل
اليهم ليرشدهم
في امور دينهم
ويهديهم ويعلمهم
ما يلزمهم من
ذلك، لكنه لم يرض
بالهجرة من
النجف اول
الأمر الى أن
أشار اليه كبار
أساتذته وفي
مقدمتهم
المحلاتي
الذي كان يرى
فيه صورة
المربي
والوالد والمعلم
في آن واحد،
فأصر اساتذته
جميعهم على
استجابة طلب
أهالي الكويت،
فلم يجد بدا
من الموافقة إذ
رأى ذلك واجبا
شرعيا ملقى
على عاتقه لأن
الشيعة كانوا بأمس
الحاجة الى
هاد مرشد، وهكذا
هاجر الى
الكويت، والناس
بالكويت
آنذاك في أبسط
حياة وأفقرها،
وقد بنوا له
مسجدا اصبح
فيما بعد
واحدا من اشهر
مساجد الشيعة
في الكويت وهو
مسجد شعبان.
لا
أنسى قول آية
الله الشيخ
الوحيد
الخراساني (من
كبار مراجع قم)
فيه، حيث قال:
كل المعممين
الذين كانوا يأتون
الى الكويت
أتوها بعد
اكتشاف النفط وقد
استفادوا
أكثر مما
أفادوا، ماعدا
السيد عباس
الذي أحيى الموات
في الكويت. (يعني
أنه خدم الناس
أيام فقرهم، فرباهم
وهداهم وهم
الى مثله أحوج
من العطشان
الى الماء).
إرشاد
الناس
بالإضافة
الى عبء تربية
الناس وتعليمهم
الأحكام
الشرعية فإنه
كان يدرس بعض
المؤمنين
دروسا في
الفقه
والأصول ولا يقضي
لحظة من عمره
عبثا وبدون
عمل. مجلسه
كان غاصا بالمؤمنين
الذين
يتزاحمون
للحضور والإستزادة
من تلك
المعلومات
القيّمة
المفيدة. وكلما
رأى جمعا من الناس
فإنه يحاول أن
يلقي عليهم
موعظة أو خطابا
عابرا أو يشرح
حديثا من
أحاديث أهل
البيت عليهم
السلام أو
يفسر آية من
القرآن. ولذلك
فإن المقربين
اليه بالرغم
من أن بعضهم
كان أميا لا
يقرأ ولا يكتب
إلا أنهم كانوا
متضلعين في
الأحكام
الشرعية ومسائل
الحلال والحرام.
وأما
في المساء وبعد
أن يؤم
المؤمنين
صلاتي المغرب
والعشاء في
مسجد شعبان،
فكان يرتقي
المنبر ويشرح
المسائل
الشرعية
والأحكام
العملية ويبين
الفتاوى
المختلفة ليستفيد
منها الحاضرون.
ولا تنحصر
مجالسه على
الأحكام والمسائل
بل كان يتطرق دائما
الى المشكلات
الإجتماعية ويحاول
ايجاد حلول
لها وفق التعاليم
الاسلامية.
***
مواقفه
من الثورة
الإسلامية
عندما
انطلقت
الشرارة
الأولى للثورة
الاسلامية في
ايران عبر
الخطاب
الناري لإمام
الأمة الخميني
العظيم رحمه
الله في عام 1382
هجرية الموافق
1962 ميلادية بدأ
السيد عباس نضاله
في الكويت جنبا
الى جنب
الامام دون أن
يخشى لومة
لائم أو سوط
ظالم. دأب
السيد على تحليل
الأوضاع
السياسية في
ايران وأعلن حربه
جهارا دون وجل
ضد نظام الشاه
محمد رضا
بهلوي الجائر
ولم يتوان في
هذا المجال من
فضح السلطة
الغاشمة في
ايران ومخططاتها
الأثيمة ضد الدين.
وفي
المقابل بدأت
السفارة
الإيرانية في
ايران
محاربته بشتى
الوسائل حتى
هددوه
بالقتل، ولكن
دون جدوى إذ
لم تؤثر تلك
الأساليب في
عزمه وصموده،
بل زادت شدة
محاربته
لأعداء الدين،
فتركوه
وبدأوا
بتهديد رواد
مسجده ومجلسه
وقد كان لهذا
التهديد بعض
الأثر في صفوف
الجماعة فتقل
شيئا فشيئا ولم
يبق في
النهاية معه
الا القليل من
حوارييه
وأنصاره
المخلصين،
ولكنه رغم ذلك
استقام وتخطى
كل تلك الإبتلاءات
والإختبارات
الإلهية دون
تزلزل أو
تراجع.
عندما
كان التهديد
تجاهه في أقسى
أيامه، كنا نرافقه
- أنا وبعض
الأصحاب - فنمشي
خلفه وهو يريد
الذهاب الى
المسجد صباحا
(رغم أننا كنا
نستصعب الخروج
في الصباح
الباكر)، وفي
احد الأيام
انتبه الينا
فنظر الى خلفه
وقال معترضا
بشدة: لماذا
تمشون خلفي؟
أنا لا أحتاج
الى حراس،
الله هو الذي
يحرسني ويحفظني
من الأعداء،
ارجعوا الى
البيت.
ولا
يسعني في هذا
المقام إلا أن
اشير الى واحدة
من الرسائل
المتبادلة
بين الإمام
الراحل والسيد،
حيث يقول
الإمام خطابا
له:
"نقدر
ونشكر كثيرا
مساعيكم
الجميلة في
ترويج ونشر
الشريعة الإسلامية
المقدسة في
تلك البلاد
(الكويت) وأتمنى
أن تكون
خدماتكم مورد
نظر ولي العصر
عجل الله
تعالى فرجه
الشريف
وتكونوا مأجورين
في أعمالكم وخدماتكم،
وأرجو من الله
تعالى لكم
دوام التوفيق
لإعلاء كلمة
الإسلام الطيبة..."
متى
بدأت الروح
الثورية فيه
من
الخطأ القول
أن السيد
المهري رحمه الله
كان قد بدأ
نضاله ضد
الشاه مع قيام
الإمام في
الآونة
المتأخرة على
ظهوره وبروزه
كعالم عامل في
منطقة الخليج
بصورة عامة. لقد
كنت أسمع منه يقول:
كانت
لي نظرة أخرى
تجاه الشاه عندما
كنت صغيرا في
السن، فلم تكن
تعجبني
الملكية او ما
يسمى بالشاهنشاهية
وكنت أراها
مناهضة للدين،
وأرى أن الشاه
مصداق لآية "وَمَنْ
لَمْ
يَحْكُمْ
بِمَا
أَنْزَلَ
اللهُ
فَأُولَئِكَ
هُمُ
الْكَافِرُونَ
(المائدة: 44)"
فهو ليس مسلما
اذن، ولا
يستحق
التبجيل والإحترام،
ثم انني كنت
أرى أن الحكم
والسلطة يجب
أن يكون
للمرجع
وليس للشاه،
ولذلك فإنني
كنت أتفوه
بعقائدي في
صغر سني، وكم تعرضنا
للتعذيب أنا
وأخي
لعقائدنا
الثورية تلك،
وقبل أن أرحل
الى النجف
عذبوني وجروني
خلف الحصان
حافي القدمين
لكي أسكت ولكني
لم أسكت طول
عمري وتحملت
كل الأذى لوجه
الله تعالى،
لأنني كنت أرى
فيه ايصال
رسالة الى
النائمين الغافلين
من أمتنا. وعندما
أتممت مرحلة
كبيرة من
دراستي
الحوزوية وجئت
الى الكويت
كنت أتمنى أن
أتلقى العون
من المراجع
العظام في
نضالي
المستمر ضد
الطغاة ولكن
السكوت كان
حاكما على
الحوزات
العلمية آنذاك
الى أن نهض
الخميني
بالأمر فارتحت
كثيرا وبدأت
أناضل براحة
نفسية أكبر
فقد أحيى
الخميني في
نفسي الرجاء
لأنه كان عالما
ومرجعا
للتقليد، فكنت
أتلقى منه
الإذن الخاص
والعام في
النضال ضد
الشاه وغيره
من الظلمة وأعوانهم.
النضال
ضد الشاه
لا
يمكننا في هذا
الموجز بيان
نضاله ضد
الشاه بالتفصيل
وكما قلت فقد بدأ
منذ صغره
ولكنه عندما
قام الإمام
الخميني
بالأمر أصبح
السيد شعلة
متوقدة ضد
الشاه
وأعوانه وعملائه
وجلاوزته، و
بدأ كفاحه بالخطابة
أولا
والكتابة
ثانيا، ولم
يكتب الى
الجماهير فحسب
بل بعث الى
المراجع
العظام في
النجف آنذاك
الحكيم
والخوئي والشاهرودي
رحمهم الله
برقيات عتاب
شديدة يقول في
بعضها: "المظالم
على الشعب
المسلم في
ايران عجيبة
وسكوتكم عليها
أعجب !.." وهذه
العبارة
الشديدة لم
ألاحظها لأي
رجل في أي
زمان خطابا للمراجع
أبدا، لأن الرجل
لا يخشى أحدا
في الله ويريد
الوقوف في وجه
الظلم بكل حدة
وشدة فلا بد
أن يخاطب حتى
المراجع
الكبار بمثل
ذلك الخطاب وبالطبع
أجابه
المراجع قدس
الله أسرارهم
بأنهم لن
يسكتوا، وقد
حاول كل من
جانبه محاربة
الشاه
المستبد والدفاع
عن الشعب
المظلوم. ولكن
الوالد رحمه
الله كان يريد
حركة أكبر
وأعظم وثورة
جامعة ضد
الشاه الطاغي
وفي كل
الإتجاهات. وحتى
العلماء الموجودون
في الكويت
آنذاك دعاهم وطلب
منهم تأييد
النضال ضد
الشاه المجرم
ولكن أكثرهم تجاهلوا
دعوته والبعض
الآخر سكتوا
خوفا على
أنفسهم ولم
يعاونه الا
المخلصون من
أنصاره وقليل
ما هم.
ويمكن
القول أن
السيد عباس
المهري قال
كلمته الأخيرة
في أول النضال،
فقد بعث الى
الشاه نفسه برقية
شديدة يوبخه
فيها ويعاتبه
بشدة ويحذره
من اللعب
بالنار وكان
ذلك عقب أول
خطاب علني
للإمام ضد
الحكومة الإيرانية.
ولكن السيد
وجّه قوس
النضال الى
الشاه بنفسه
لأن الشاه على
سدة الحكم وهو
المسؤول
المباشر عن كل
المجازر
والمشاكل والفجور
وكبح الحريات
والإستهانة بنجوم
المذهب أعلى
الله كلمتهم.
وبعد تلك
البرقية
النارية الى
الشاه مُنع
السيد المهري
من دخول ايران
مع أهله وعائلته
سنوات طويلة
استمرت حتى نجاح
الثورة الإسلامية
المباركة
بقيادة
الإمام
الخميني قدس
سره.
ومن
الأمور
اللطيفة خلال
النضال
المستمر أن السفارة
الإيرانية ايام
الشاه حاولت
ردع السيد
بالتطميع مرة وبالتهديد
أخرى، حتى هددوه
بحرق المنزل
وقتل الأولاد،
ولم تؤثر تلك
التهديدات في
الروح الصلبة
للسيد قيد
أنملة. وبعد
أن انتهى عهد
السفير
الإيراني في
الكويت (إبان
سنوات النضال
الحارة) دعا كثيرا
من وجهاء
البلد من
التجار
والشخصيات وأقاموا
حفل وداع له، وفي
الحفل - وكما
ينقل المرحوم
الحاج
اسماعيل
بهبهاني (عم
يعقوب ومراد
بهبهاني) - قال
السفير: "أنا
أودعكم بعد
سنين طويلة مكثت
في الكويت
ولقيت منكم كل
الحفاوة والتقدير.
ونحن في
البلدان
الأخرى نصرف
أموالا طائلة
للدفاع عن
الشاهنشاهية
ولكننا في
الكويت لم
نصرف مالا في
هذا المجال لأن
عددا من تجار
الشيعة كانوا
يساعدوننا
ماديا ومعنويا!!!.
ولكن أقول لكم
بحق: ما لقيت
رجلا شهما في
الكويت مثل
السيد عباس المهري،
فقد حاولنا
المستحيل لمنعه
وردعه عن
مساعدة
الخميني ولم نفلح،
بل زادته محاولاتنا
تصلبا ومضيا
في عزمه وهدفه"،
وبالتأكيد فإن
هذا الكلام
مما نعتز به
فالفضل ما
شهدت به الأعداء.
التواصل
مع المناضلين
كان له تواصلا
مستمرا مع معظم
المناضلين من
العلماء والمتدينين
في ايران، وكان
منزله الملجأ
الوحيد لكل
العلماء
المجاهدين ضد
السلطة
الشاهنشاهية
أمثال الشهيد
المرحوم سيد
محمد رضا
سعيدي الخراساني
والشهيد محمد المنتظري
والمرحوم
الشيخ
الفردوسي وغيرهم
الكثير
الكثير ممن
كان بيت السيد
مقر عملهم
المنظم ضد السلطة
الغاشمة.
حلقة
الاتصال
الوحيدة بين
الإمام
وايران
عندما
انلعت
الشرارات
الأولى
للثورة المباركة
– أي قبل
انتصارها
بسنة - اصبح منزل
السيد عباس في
الكويت قلعة
ثورية، ومركزا
للإتصال بين
بيت الإمام
الخميني في
النجف وسائر المناضلين
من أنصاره في
ايران وحتى في
أمريكا وأوروبا،
وذلك لأن
الحكومة
العراقية
البعثية رغم
زعمها بأنها
ثورية تحارب
الشاه وغيره
من اذناب امريكا
الا أنها كانت
في حقيقة
الأمر متعاونة
مع حكومة
الشاه، فكم
مرة قد ضيّقت
على الإمام
الخميني في
النجف ومنعت
الناس من
الاتصال به،
وفي تلك
الأيام الصعبة
للثورة ايضا حيث
كان اتصال
المناضلين في
ايران
بالإمام الخميني
أمرا ضروريا
للغاية
ويتوقف نجاح
العمل الثوري
في ايران
عليه، دبرت
الحكومة العراقية
بالتعاون مع
حكومة ايران
مكيدة خطيرة ضد
الإمام حيث
قطعوا خطوط
الهاتف بين
النجف وايران،
وذلك لحصر
الإمام
وإبعاده عن أنصاره
في ايران حتى
لا تصل
بياناته
وخطاباته
الثورية
اليهم،
ولكنهم
فوجئوا بوصول
بيانات
الإمام
وخطاباته الى
ايران دون
ادنى تأخير أو
خلل، ولم
يعلموا أن
الاتصال كان
يتم عن طريق
بيت السيد
عباس المهري
في الكويت،
فإذا أصدر الإمام
بيانا او خطب
خطبة فبعدها
بلحظات كان
الخط التلفوني
بيننا وبينهم
في النجف ينقل
تفاصيل الخطاب
أو البيان
فنسجلها فورا
وخلال لحظات ننقلها
الى ايران، وكنتُ
المباشر لكل
هذه
الإتصالات، وغالبا
كان وراء الخط
في ايران أحد
العلماء
المناضلين
حفظه الله، وإن
لم يكن متواجدا
في البيت
فزوجته
المناضلة كانت
تتلقى الخطاب
أو البيان، وبعد
ساعة أو
ساعتين ينتشر
في طهران ومنها
الى سائر
مناطق ايران.
وكانت السلطة
مندهشة من
سرعة وصول
خطبة الإمام
الى طهران في
نفس اليوم بل
وبعد أقل من
ساعتين من
القاء الخطبة
في النجف
الأشرف ولم
تعرف أننا كنا
ملتقى الخطوط.
ولابد من
الإشارة أيضا
أنني بعد وصول
البيان من
الإمام كنت
أترجمه فورا
وأطبعه وأنشره
في الكويت -
عبر بعض
الإخوان
المعتمدين
حفظهم الله
ورحم الله المتوفين
منهم - ومنها
الى كل مناطق
العالم، وبذلك
نستطيع أن
نفتخر بأننا
كنا الواسطة
بين الإمام وانصاره
في كل العالم
في وقت كانت الاتصالات
الهاتفية بين
العراق وايران
منقطعة تماما،
ظنا من قادة
الطرفين أنهم
بقطعهم الهاتف
سيقضون على
حركة الإمام، "يريدون
ليطفئوا نور
الله
بأفواههم والله
متم نوره ولو
كره الكافرون".و
هكذا كان
السيد المهري
في خدمة
الإمام لا لأجل
مكسب مادي و
لا جاه و لا
مقام كما كان
البعض بل كان
يريد كسب رضا
الله و يعمل مجاهدا
في سبيل الله
و في سبيل
اعلاء كلمته
دون أي طمع
مادي و
إجتماعي . لا
أنسى أنني كنت
أطلب منه أن
يجلس بجانب
الإمام
لأصورهما في
صورة تذكارية
و لكنه كان
يرفض ذلك
تماما و يقول :
لا أريد أن
أصور مع
الإمام حتى لا
يتصور الناس
أنني أريد كسب
جاه أو شهرة
من صداقتي معه
. و كذلك سيرة
أولياء الله
الذين لا يريدون
علوا في الأرض
و لا فسادا و
لا شهرة و لا
مقاما بل
يسعون دائما
أن يبتعدوا عن
فلاشات الشهرة
و أضواء
المقام .
بصماته
للسيد
بصمات ظاهرة
في كل ناحية ومنطقة،
لا في الكويت فحسب
بل حتى في
سائر دول الخليج
وفي ايران والعراق.
فقد اهتم بكل
شؤون الحياة
الإجتماعية
والدينية والسياسية
وكان همه
الكبير رفع
الحاجات
المعنوية والمادية
من الآخرين
بصورة كلية أو
جزئية مهما
أمكن. ففي
الوقت الذي
نراه يساعد في
بناء المساجد
والحسينيات
في المناطق الفقيرة
من ايران
والعراق ولبنان،
نراه يساعد
الفقراء
بصورة جماعية
أو فردية. وما
رأيت أحدا
يراجعه ويخرج
خائبا أبدا، وكثيرا
ما ساعد
أقاربه
وأصحابه بل وحتى
الذين لم
يعرفهم في
أمورهم
المادية والوظيفية
بالإضافة الى
اهتمامه
بتثقيفهم وتعليمهم.
تأسيس
المدرسة الجعفرية
للبنات في
الكويت:
وكان
الأمر الذي
يشغل باله
طويلا عدم
وجود مدرسة
جعفرية لبنات
مواطنيه
الكويتيين،
حتى تتلقى
البنات فيها دروسا
في العقيدة الى
جانب الدروس
الأخرى التي
تهتم بها
الحكومة. وأن
تكون المدرسة قدوة
للحجاب
الإسلامي ولكل
المظاهر
الدينية
الراقية. وذلك
لشدة غيرته
على الدين فلم
يرض أن تدخل
البنات الى
المدارس
الحكومية
وبدون حجاب، كما
كان يهمه
كثيرا أن
يتثقف أبناء
وبنات المؤمنين
بثقافة أهل
البيت، ولذلك قرر
تأسيس مدرسة
جعفرية
للبنات، اما
البنين فكانت
لهم مدرسة
أيضا تحت
إشراف المربي
الفاضل المرحوم
سيد محمد حسن
الموسوي
رضوان الله
عليه.
وسعى
كثيرا لأجل
انجاح هذا
المشروع
العلمي والديني
الهام حتى جمع
أموالا من هنا
وهناك وأسس
بها مدرسة
كاملة كانت
أنموذجا في
الرقي
والتطور بالإضافة
الى التثقيف والتربية
الواقعية على
منهاج أهل
البيت عليهم
السلام،
وسماها "المدرسة
الإسلامية
الجعفرية
للبنات"، وقد
حاول المناوئون
ايجاد عراقيل
كثيرة لافشال
المشروع ولكن
السيد الذي
عُرف عنه صموده
وايمانه تصدى
لكل تلك العراقيل
بشجاعة حتى تم
افتتاح
المدرسة عام 1967اثناء
حياته
المباركة وعلى
يديه
الكريمتين.
مشاريع
كثيرة :
وأما
مشاريع بناء
وترميم المساجد
والمدارس والحسينيات
والمدارس
الدينية والآبار
الإرتوازية وغير
ذلك في
المناطق
الفقيرة فحدث
ولا حرج، كم
من المدن والقرى
التي زرناها
خلال هجرتنا
الطويلة في
ايران وجدنا فيها
مشاريع
انجزها المرحوم
او شارك في
انجازها او
ترميمها. ومن
جملة تلك
المشاريع الخالدة
ترميم وإعادة
بناء مدرسة
القزويني ومدرسة
البخارائي لطلبة
العلوم
الدينية في
النجف الأشرف.
ومن
مشاريعه
الباقية أيضا بناء
أول مستوصف في
مدينة لامرد
بإيران و من
بعده بناء مستشفى
ضخم مجهز بكل
الوسائل
الحديثة في
مدينة "مهر" ،
ولا تختص
خدمات
المستشفى
بمدينة مهر
الصغيرة بل
تعم جميع
المنطقة
المحيطة بما
فيها من مدن
وقرى كثيرة، حيث
كانت فقيرة
ومحرومة من
الخدمات
المختلفة بما
فيها الخدمات
الطبية، وكم
كان الناس
يموتون قبل
وصولهم الى
المدن القريبة
لعدم وجود مستشفى
هناك. و كان
هذا المستشفى
في بداية عهده
خاصا بالولادة
ولكنه رحمه
الله بدأ
بإضافة أقسام
أخرى اليه تدريجيا
حتى بدا
مستشفى كاملا
بجميع أقسامه
حتى العمليات
المعقدة .. وكان
لإبن عمي
العلامة سيد
إسماعيل المهري
الدور الكبير
في الإستمرار
بتشغيله ولا
زال يعمل
جاهدا في
تكميل ما لم
يتسنّ للسيد
عباس إنجازه ..
ليس في هذا
المجال فحسب
بل في كل
المجالات
الحيوية
والإنشائية
والثقافية وعلى
رأسها مؤسسة المعارف
الإسلامية في
قم المقدسة.
تأسيس
مؤسسة
المعارف
الإسلامية
ومن
خدماته الجليلة
الخالدة
تأسيس "مؤسسة
المعارف
الإسلامية"
في قم المقدسة
بتاريخ 15 ربيع
الاول 1405
الموافق 8/12/1984و
ذلك بهدف حفظ التراث
الإسلامي
وتدوين تاريخ
معتبر للشيعة
واحياء علوم
أهل البيت ومعارفهم،
وقد كان موفقا
في هذا السبيل
الى أبعد
الحدود بفضل
تلك النية
المباركة وجهود
المخلصين في
ادارتها وعلى
رأسهم حجة الإسلام
والمسلمين
سيد اسماعيل
المهري الذي
لم يتوان لحظة
في هذه الخدمة
المقدسة، وقد أينعت
المؤسسة ثمارها
بكتابة
وتأليف
وتدوين واعادة
طبع الكثير من
الكتب
المفيدة التي تنشر
ثقافة أهل بيت
العصمة عليهم
السلام، ولازال
الباحثون من
العلماء والمحققين
يعملون صباح
مساء في هذا
المركز
العلمي والذي
يحوي مكتبة
عامة ضخمة
للإستمرار في
تقديم خدمات
أفضل، تلبية
للحاجة
الملحة في نشر
الوعي الاسلامي
الصحيح
النابع من
العترة
الطاهرة لتعم
الفائدة جميع المسلمين
ان شاء الله.
واليك
جملة مما
انجزته هذه
المؤسسة
المباركة،
نذكرها دون
حصر:
·
تدوين
وتأليف اكبر واهم
موسوعة في كل
ما يخص الإمام
المنتظر عجل
الله فرجه
الشريف تحت
عنوان: "معجم
أحاديث
الإمام
المهدي عليه
السلام"، حيث
تم استخراج
أكثر من 3000 حديث
من 420 مصدرا من
مصادر السنة
والشيعة، وهي
أول موسوعة من
نوعها من حيث
استيعاب
المصادر
جميعا
والتبويب والفهرسة،
وقد طبع بادئ
الأمر في خمس
مجلدات ضخمة
ووزع في أرجاء
العالم
الإسلامي
وطبع أخيرا في
حلة جديدة وفي
8 مجلدات بعد
أن أضيف اليها
أحاديث كثيرة ومنها
مجلدان ضخمان
للآيات
المؤولة في
الإمام
المهدي عليه
السلام.
·
احياء
بعض كتب التراث
والتي كان يخشى
عليها من
الضياع،
فقامت
المؤسسة بتحقيقها
وتصحيحها وفي
النهاية طبعها،
ومن هذه الكتب
على سبيل
المثال لا
الحصر:
1-
مؤلفات
المرحوم
السيد هاشم
البحراني
(تبصرة الولي
وحلية
الأبرار
ومدينة
المعاجز).
2-
كتاب
الغيبة للشيخ
الطوسي.
3-
مسالك
الأفهام
للشهيد
الثاني ..
الكتاب الفقهي
الضخم الذي
يعتبر مصدرا
هاما من مصادر
الفقه الشيعي.
4-
المزار
للشهيد الأول.
5-
إقناع
اللائم على
إقامة المآتم
للسيد محسن العاملي.
6-
شرائع الإسلام
للمحقق الحلي
الذي كان ولا
يزال مرجعا
للتدريس
والبحث والتحقيق
في فقه الشيعة
الإمامية.
7-
رجال
الشيعة في
أسانيد صحاح
السنة.
8-
أمالي
الشيخ الصدوق
والشيخ
المفيد والشيخ
الطوسي معا في
طبعة فاخرة في
10 مجلدات ضخمة.
9-
موسوعة
الرسول والعترة
للسيد عبد الله
الموسوي
البحراني في 14
مجلدا.
10- تفسير
الصراط
المستقيم
للسيد حسين
البروجردي.
طبع منه خمسة
مجلدات الى
الآن.
·
ترجمة
العديد من كتب
الحوار مع اهل
السنة من
اللغة العربية
الى
الفارسية،
هذه الكتب
كتبها المستبصرون
واوردوا فيها
قصة
استبصارهم
وعرضوا دلائل
مقنعة لا يرى
العاقل
المنصف مناصا
من الانقياد
لها، ونذكر من
بين تلك الكتب
مؤلفات الدكتور
محمد
التيجاني مثل:
"ثم اهتديت"،
"الشيعة هم
اهل السنة"،
"فاسألوا اهل
الذكر"، "لأكون
مع الصادقين"
وسائر كتبه،
بالاضافة الى كتب
مستبصرين
آخرين مثل
"حقيقة
الشيعة الاثني
عشرية" لأسعد
وحيد القاسم،
"الخدعة" لصالح
الورداني،
"الحقيقة
الضائعة"
لمعتصم سيد
احمد، وغير
ذلك الكثير،
وقد قامت
المؤسسة بطبع
تلك الكتب
ونشرها في
ارجاء ايران. و
قد طبع من بعضها
أكثر من 300000 نسخة
لحد الآن.
·
تنظيم موسوعة
الإمام الحسين
عليه السلام والتي
تهدف الى جمع
المعلومات عن
فضائل الإمام
الحسين
وسيرته وثورته
واستشهاده
وكل ما يتعلق
به، وتنظيمها
في عدة مجلدات
حيث لا يزال
كثير من الباحثين
يعملون صباح
مساء لإنجاز
هذه الموسوعة
المباركة.
·
تأليف
كتاب
"الأحاديث
الغيبية" الذي
يشتمل على
جميع
الروايات
الواردة عن
المعصومين
عليهم السلام
والتي تحتوي
على الإخبار
عن المغيبات،
وتعدّ من
المعجزات
التي تثبت
النبوة
والإمامة،
حيث تم
استخراج
أحاديثه من 500
مصدر من مصادر
الشيعة
والسنة وقد
طبع في ثلاث
مجلدات.
بعض
مميزاته
الأخلاقية
عبادته
كان
رحمه الله
دائم الوضوء ويهتم
بالمستحبات
كإهتمامه
بالواجبات ويتجنب
المكروهات
كتجنبه
المحرمات،
يصلي بتأن وهدوء،
ولا يترك
النوافل حتى
في الأيام
الصعبة. يقوم
من نومه قبل
الفجر
بساعتين حتى
لو لم يمض من
نومه واستراحته
الا القليل
فما رأيناه
نائما قبل الفجر
أبدا. استيقظت
ذات ليلة بعد
منتصف الليل فرأيته
واقفا في ساحة
المنزل، تحت
السماء وفي
الظلام رافعا
يديه الى
السماء خاضعا
خاشعا يدعو
ربه ويبكي
بكاء شديدا.
استغربت ذلك
فظننت أن به
ألما أو يشكو
من أمر، وفي
اليوم التالي نقلت
القصة
للوالدة رحمها
الله فضحكت وقالت:
هذه عادته منذ
عرفته وليس
أمرا جديدا. وفي
السنوات
الأخيرة من
حياته كنت
أراه يستيقظ
قبيل الفجر
أكثر من ثلاث
ساعات أي أنه
قليلا من
الليل ما يهجع
ويقضي ساعات
الليل
الأخيرة في
الصلاة
والدعاء والقرآن،
وكان يتلذذ
بقراءة
القرآن والدعاء
خاصة في ليالي
شهر رمضان المبارك.
كرمه
ما
رأيته يرد
سائلا ولا
محروما بل وأكثر
من ذلك فإن
كان قد لبس
رداء جديدا وجاءه
أحدهم مادحا
رداءه، رأيته
ينزع الرداء
ويعطيه الرجل
ويقنع
بملابسه
القديمة. وعندما
كانت الوالدة
تعترض عليه
يقول مبتسما: "ملابسي
ليس بها شيء، وكأنها
جديدة" وبذلك
ينتهي الأمر
بسلام. وإذا
أُخبر بوجود
فقير من
أقربائه أو
حتى من الأبعدين
فكان لا يبالي
أن يقضي
حوائجه
المادية مما
تبقى من ماله،
فكنت أحيانا
أحذره من نفاد
ما في حسابه
بالبنك
فيبتسم ويقول:
ما أنفقته ليس
مني بل مما
رزقني ربي وتأكد
أن الله لا
ينسى عباده
أبدا.
إكرامه
الضيف
وأما إكرامه
للضيف فكان مما
يحتذى به، فبيتنا
كان مأوى دائما
للضيوف،
ومعظمهم من
طلاب العلوم
الدينية
والمبلغين الذين
يأتون الى
الكويت دائما
وخاصة في أيام
شهر رمضان وشهري
محرم وصفر، فكان
بيت السيد منزلهم
وكنا نخدمهم
حسب أوامره
وبكل رضا وراحة
نفسية. والوالدة
رحمها الله
كانت لا تتضجر
ابدا من كثرة
الضيوف فتطبخ
الطعام يوميا
لكل هذا الجمع
الغفير من
الضيوف دون أن
تشتكي من
التعب وتعتبر
ذلك عملا
صالحا ينفعها
يوم لا ينفع
مال ولا بنون.
هكذا رباها
أبونا كما
ربانا أيضا
بتلك التربية
المحمدية
السامية.
حبه
لأهل البيت
كان حبه
لأهل البيت عليهم
السلام أيضا يفوق
المعتاد، فما
أن يأتي
الخطيب بذكر
اسم الإمام الحسين
عليه السلام الا
وتسيل دموعه
دون اختيار. وكان
يقيم مراسم
العزاء لكل أهل
البيت كما كان
يحتفل بمواليدهم
جميعا. وفي كل
ليالي الاثنين
كان يقيم في
منزله مجلسا
للوعظ ولإحياء
ذكر اهل البيت
عليهم السلام.
وامتدت هذه
العادة الكريمة
الى آخر يوم
من عمره
الشريف، بل واستمر
بعده من قبل
ابنه الأكبر
المرحوم سيد
محمد المهري.
ادارته
للبيت
كان
دائما يساعد
أهله في أعمال
المنزل بل
وحتى في الترميم
واصلاح بعض
عيوب البيت، فيباشرها
بنفسه ليعلم
أبناءه أن لا
يتكئوا دائما
في أعمالهم
على الغير.
وكان
لا يحب
الإسراف أبدا،
فبالرغم من
وضعه المادي
الجيد نوعا ما
فإن الإسراف
لم يكن له مكان
في حياته. واذا
كان يخرج من
الغرفة حتى
ولو لفترة
وجيزة فإنه يطفئ
المصباح ويأمرنا
بذلك دائما. وقد
علّمنا أن
نأكل المتبقي
من أكل النهار
في الليل بل
وحتى في اليوم
الذي يليه ويوصينا
بعدم الطبخ
زيادة على
الحاجة وان
زاد فعلينا أن
لا نحذف
الزيادة في
القمامة حتى
لو كانت بسيطة.
تواضعه
كان التواضع
سمة بارزة فيه،
يحترم الكبير
والصغير، ويسلم
على كل من
يلقاه حتى لو
كان صغيرا.
ويقوم في مجلسه
لكل من يحضر،
وكان يكنّ للسادة
من سلالة
الرسول
الأعظم صلى
الله عليه وآله
احتراما خاصا
بالرغم من
كونه سيدا
شريفا بنفسه أيضا.
وإليك بعض
جوانب
التواضع
البارزة فيه:
1.
في
السنة
الأخيرة من
حياته وحيث
كان مريضا ويصعب
عليه احترام
القادمين الى
مجلسه، رأيته
أحد الأيام
وقد أقبل رجل
فقير، فقام من
مقامه بكل صعوبة
واحترمه
احتراما
بالغا. وبعد
أن خرج الرجل اعترضنا
عليه ذلك الاحترام
البالغ مع ما
به من ضعف،
فرد علينا: من
يعرف؟ ربما
كان مقامه عند
الله أكبر مني
ومنكم. علينا
أن نحترم كل
مؤمن فلعله يكون
أكبر شأنا
وأعظم قدرا
عند بارئه.
وبذلك علمنا
درسا هاما.
2.
ومن
تواضعه أنه
كان أحيانا
يركب سيارة
الوانيت
ليذهب الى
المسجد وعندما
اعترضنا عليه
ذلك، قال: "لو
كانت عربانة
أيضا ما كنت
أتكبر في
ركوبها، وصدقوني
يا أبنائي أن
كرامة الإنسان
وشخصيته لا
تكمن في
اقتناء وركوب
سيارة فخمة.
الإنسان عظيم بتقواه
لا بسيارته أو
أثاث بيته".
3.
ومن عجيب
تواضعه أنه اذا
ناقش بعض
أقرانه من
رجال الدين في
مسألة علمية واستعصى
الأمر على
الطرف الآخر ولم
يستطع الاجابة
لجهله
بالمسألة، كان
السيد يغير
البحث فورا حتى
لا يخجل الطرف
الآخر ولا
يتحرج.
4.
عندما
كان يحضر
مجلسا يجلس في
أي مكان فارغ
ولا يصر على
الجلوس في صدر
المجلس كما
يفعله البعض،
وذلك حتى لا يزعج
الآخرين فيضطروا
الى إفساح
المجال له، بل
يكره للمرء أن
يزاحم
الآخرين من
أجل الجلوس في
صدر المجلس
مثلا، ويقول:
هذا من الكبر.
وخلاصة
القول أنه كان
يطبق تماما
وصايا قادته وولاة
أمره عليهم
السلام في شتى
أمور حياته من
ملبس ومسكن
ومعاشرة وحديث
وزيارة وغير
ذلك.
الوصــايا
من
سماته
البارزة في
وصيته الباقية
الوعظ والإرشاد
فكما كان
دائما يوصينا
بالتقوى والورع
، ففي وصيته
أيضا نراه
يبدأها
بالموعظة
وإرشاد ذويه وأهله
بالكف عن
محارم الله
وبالورع و
خشية الله في
السر والعلن.
ثم يوصي بجزء
من ثلثه
لأقربائه
الفقراء، وهذا
ما لم يشهده
أحد في وصايا
غيره إلا ما
ندر. وليس
دعوته إلى الإيمان
والعمل
الصالح
منحصرا في
وصيته الأخيرة
بل كان يغتنم
كل فرصة
لنصحنا
ووعظنا. وكثيرا
ما كان يتلو
آية أو يقرأ
حديثا ليبدأ
به كلامه
الشيق بإصرار
وإلحاح عن
ضرورة
الإلتزام بما
أمر الله والكف
عما حرمه
سبحانه، سواء
كان ذلك في
مناسبة خاصة
أو عامة بل وحتى
دون أي مناسبة
فقد كان الحديث
الأنسب له
الدعوة إلى
الله والتخلق
بأخلاق
المعصومين
عليهم السلام.و
حتى في رسائله
و مكاتيبه
الخاصة كان
ينصحنا و
يوصينا
بالتقوى .
عندما كنت
أدرس في جامعة
بيروت
العربية
بلبنان كتب لي
رسالة لإيصال
بعض الرسائل
الى أصحابها و
لترتيب سفر
بعض المدرسات
و الهيئة
الإشرافية
للمدرسة
الجعفرية
للبنات .. جاء
في هذه
الرسالة : "
حبيبي و قرة عيني
محمد جواد
أيده الله
تعالى في
الدارين و حفظه
و من معه من كل
آفة و عاهة و
عين و حرسهم
من كل شين و
مين و بعد ..
حبيبي عرفت
الله بفسخ
العزائم و نقض
الهمم و ما
توفيقي الا
بالله ...حبيبي :
كونوا واعين
في دينكم و
دنياكم و لا
تغفل عن النفس
و ميولاتها و
لا بإشارات
الناس و
مقالاتهم
واذكرني و
اذكر ربك الذي
خلقك و وهبك
الموهوبات من
نعمه و سواك
فعدلك ..."
نهاية
المطاف
وأخيرا
بعد مضي 75 عاما
من الحياة
الحافلة
بالمكرمات والخدمات
الجليلة، انتقل
السيد عباس
المهري الى
جوار ربه
بتاريخ 1988/2/15 ميلادية
الموافق 1408/6/26
هجرية ودفن في
مدينة قم
المقدسة بجوار
فاطمة
المعصومة
عليها السلام
وفي المسجد
الذي يحتضن
عادة طلاب
العلوم الدينية
يذاكرون فيه
دروسهم، وليكون
قبره في أقدس
بقعة من الحرم
المقدس
ومجاورا
لقبور كبار
العلماء
ومراجع الدين
المدفونين
هناك.
وقد
شيع تشييعا
ضخما، فشارك
في تشييعه ودفنه
الكثير من
المراجع والعلماء
الكبار. وبقيت
مدينة قم
قرابة شهر كامل
تقيم العزاء
عليه في
مساجدها وحسينياتها.
وأقيمت له
مجالس العزاء
في كثير من
المدن في ايران
وخارجها.
أبناؤه:
للسيد
عباس المهري
سبعة أبناء
وأربع بنات.
أكبر أبنائه
المرحوم
العلامة سيد
محمد المهري
الذي كان
عالما فاضلا
متواضعا وهو
صهر المرحوم
آية الله
العظمى السيد
محمود
الشاهرودي.
درس الإبتدائية
والمتوسطة في
الكويت ثم
انتقل الى
النجف الأشرف
ومكث فيه
طويلا يتتلمذ
على كبار
العلماء. وبعد
انتصار
الثورة في
ايران هاجر
اليها مع
أسرته
وأبنائه وبقي فيها
إماما
للجماعة
ومدرسا وخطيبا
الى سنة 1994 حيث
رجع مرة أخرى
الى وطنه
الكويت، و أصبح
إماما
للجماعة في
مسجد شعبان،
خلفا لأبيه،
يرجع اليه
المؤمنون في
مسائل دينهم
وأحكام شريعتهم.
ومن أبرز
أبناء
المرحوم سيد
عباس المهري،
سماحة
العلامة سيد
مرتضى المهري،
الفقيه
الأصولي
المفسر
للقرآن، و قد
صرف تمام عمره
في تحصيل
العلوم
الدينية – بعد
دراسة مختصرة
في المدرسة
الجعفرية في
الكويت – ابتداء
من النجف
الأشرف حيث
درس عند كبار
العلماء فيه أمثال
السيد الخوئي
والإمام
الخميني
والسيد السيستاني،
وانه اليوم
يعتبر من أقرب
المقربين الى
السيد
السيستاني
حفظه الله
ووكيله المعتمد،
وقبل انتقاله
من الحوزة
العلمية في قم
الى الكويت كان
يدرس طلاب
العلوم
الدينية في قم
خارج الفقه والأصول.
كما كانت له
في قم دروس في
تفسير القرآن
الكريم ولا
زال مستمرا
بها في الكويت.
**************
رحمك
الله سيدي فقد
كنت لي مربيا
وأبا وأستاذا
ومرادا
وأنموذجا
يحتذى به
وقدوة ودليلا
وعونا ومرشدا
وهاديا.
غفر
الله تعالى لك
وحشرك مع من
واليتهم
وأحببتهم
ووقفت حياتك في
احياء ذكرهم
والدفاع عنهم.
محمدجواد
المهري